الرئيسية / أدب / وستويفسكي.. شفاعة من أجل الإنسان ومصيره.. الحرية في اللّه

وستويفسكي.. شفاعة من أجل الإنسان ومصيره.. الحرية في اللّه

صالح رزوق

في كتابهِ “رؤية دوستويفسكي للعالم” يؤكد لنا نيقولا برديائيف عن القيمة الملحمية التي بنى عليها دوستويفسكي فنيته. وأثبت لنا أنه كاتب مؤمن عرف كيف يعيد بناء معاناة الشعب الروسي والإنسان السلافوني من الداخل. فموهبة دوستويفسكي تتأتى له من فهمه غير المحدود لحساسية الإنسان الروسي، الذي يتراوح في اختياراته بين موقف عدمي وآخر رؤياوي (بتعبير المترجم، أو قيامي كما ورد على لسان برديائيف حرفيا). ولذلك يمكن أن نعتبر أن دوستويفسكي هو أفضل من عبّر عن مشكلة الروح لدى الشعب الروسي.
وهذا هو الفرق الأساسي بينه وبين تولستوي الذي ركزعلى تباينات العالم الخارجي، فهو أفضل من أعاد صياغة التجربة النفسية مع الذات، بوعي وإدراك يمكن تصوره وتجسيده. وهذا يفرض علينا السؤال التالي: هل كان دوستويفسكي واقعيا؟
يجيب برديائيف: إن الواقع عند دوستويفسكي هو في اكتشاف مصير الروح الإنسانية. ومؤلفات دوستويفسكي جميعا ليست إلا حلا لمشكلة واسعة من الأفكار. وكانت مؤلفاته تمثل شفاعة من أجل الإنسان ومصيره، وتنتهي أخيرا بتسليم هذا المصير الإنساني إلى الإله- الإنسان أو المسيح. وكانت شخصياته متقلبة، وليس بوسعها أن تتحكم بالمعنى المرجو من الحياة. وهي شخصيات لها محتوى رموزي، فكل موقف من الوجود له رمز يحول انحرافات الحياة إلى فوضى نفسية يمكن صياغتها بالتصورات والإشارات، أو برموز ملموسة.
واختار في رواياته الأساسية من “المساكين” وحتى “الأخوة كارامازوف” و”الجريمة والعقاب” لكل شخصية موقف، هو فكرة وضعية مع رمز مطابق لها، ولذلك فإن رموز دوستويفسكي فضائحية. وهو يمتحن شخصياته بطريقة معدة مسبقا. يورطها بالاختيار ويجهز في الوقت نفسه الظرف لتنحرف وتسقط في مربع الخطيئة.
كانت مؤلفات دوستويفسكي تمثل شفاعة من أجل الإنسان ومصيره، وتنتهي أخيرا بتسليم هذا المصير الإنساني إلى الإله – الإنسان أو المسيح. وهنا تتساوى لديه الأفعال والنوايا. فالإصرار على الخطأ لا يختلف عن ارتكابه لدى دوستويفسكي. وهذا هو معنى الحرية في فلسفته، فهي الحرية في الله وفي رعاية الخير ذاته. ولكن إنسانية دوستويفسكي بشرية ومعزولة عن السماء وساقطة حتما وملوثة بالدنايا، ولا يمكن أن تنعم بالنقاء أو بالطهارة التامة، وغالبا ما تستخدم رموزها الفاضحة لتشير إلى ورطتها، وهي الإصرار على الخطأ والتهرب من حمل المسؤولية، والدخول في صراع بيني مع الحياة والذات.
وحياة دوستويفسكي حافلة بالفجوات، وشخصياته، كما عبر في “المقامر” في أوضح صورة، تندفع نحو الخسارة بدون أي مبرر. ولولا بطل “الليالي البيض” لكان سلوك كل شخصياته شرطيا وانعكاسيا، وبدون أي استعداد للتضحية أو الفداء. بمعنى أنه رسم شخصيات قلقة وينقصها جوهر الفكرة الدينية التي يتمسك بها وهو العطاء، بدون مقابل. ولذلك كان أبطال رواياته انتحاريين أو فوضويين وعبثيين بالمعنى الذي تكلم عنه كامو بعد نصف قرن.
وقد تلازم هذا التمرد مع ارتكاب الموبقات والخطايا ومع نزوع تدميري أو استهلاكي. وكانت مشكلة الحرية عند دوستويفسكي هي في افتراض أن الخير الحر يقود لحرية الشر. وتجد صدى لذلك في فكرة كيركيغور عن حرية الاختيار بين الخطيئة والإيمان. وهذه الحرية هي مصدر عذابات شخصياته. فهي المسؤولة عن مشكلة الشر والجريمة.
وقد التهمت كل صفحات “الجريمة والعقاب” مناقشة مونولوجية دارت في لاشعور وذهن راسكولينكوف. فهو لم يتناول الشر من وجهة نظر القانون، ولكن باعتبار أنه سلوك إجباري شائن وطبيعي. ومثل هذا التفسير يقف وراء رفض دوستويفسكي للإلحاد. والحرية الملحدة تقود إلى الطغيان اللامحدود. وقد عكس بهذا الموقف دور المضحي وحوله من حارس للقيمة إلى منشئ لها. ولذلك كانت افتراضاته عن المجتمع مغلقة وتدور داخل حدود تجربته النفسية التي يسميها برديائيف: قلقه الروحي او جرحه الروحي.

عن Admin

شاهد أيضاً

القصـــة القصيــرة انصهار الحدود الفاصلة بين الأجناس الأدبية

هدى الهرمي تظلُّ القصة القصيرة أحد فنون الكتابة الأدبية والتي وصفها الروائي العالمي نجيب محفوظ …

اترك تعليقاً