الرئيسية / أفكار / مرجعيات مقولبة.. أسئلة الثقافـــة العراقيـــة

مرجعيات مقولبة.. أسئلة الثقافـــة العراقيـــة

مجيد الموسوي

في كلِ حديث عن الثقافة يحضر موضوع تعريفها. وقد اصبح هذا الموضوع قديما وغير ذي جدوى اذ لا يمكن حصر الثقافة بتعريف قاموسي او مدرسي وبعدة كلمات فالثقافة هي الانسان بجميع مناشطه وكيف تتبلور هذه السلوكيات الإنسانية والنشاط البشري على شكل قوانين وانظمة لتتحول بعد لك الى اقانيم فكرية وفي تحول ثالث الى حضارات. وهذا التسلسل من الثقافة فالفكر والحضارة يمكن الوثوق به في تراتب العلاقة بين الانسان والزمن. مهما بالغت الأيديولوجيات في حصر الثقافة فان هذه الأخيرة بطبيعتها تستعصي على الحصر والتعريف المدرسيين ولهذا تجد العديد من النزعات الديموقراطية المضادة للشمولية والمعادية للشيوعية قد اخترقت جدران الخوف في الاتحاد السوفييتي السابق ودول اوربا الشرقية الشيوعية وعبرت عن نفسها بالعديد من الاعمال الأدبية والفنية علما ان عددا من هؤلاء الادباء المعروفين مثل سولجنستين وبعدما لمع له الغرب واستقطبه فخرج من الاتحاد السوفييتي وهو يلعن الشيوعية والشمولية وعندما ذهب الى اميركا لم يجد انها الأرض الموعودة كما يصورها الاعلام الراسمالي فاصيب بالإحباط وتحدث عن نموذج ثالث غير موجود فان الراسمالية برايه لا تقل سوءا عن الشيوعية الا في الأساليب.
عندما اتحدث عن الثقافة ودورها يؤاخذنا البعض بالقول: ان مجتمعا مثل المجتمع العراقي هو مجتمع ليس مثقفا فهو بحسب هذا الراي بدائي ولا يستطيع التفكر في ذاته وقوانينه واخطائه كما انه لا يستطيع مراكمة نجاحاته وتحويلها الى مؤسسة. ينطبق هذا التقييم او التوصيف باثر رجعي على الشعوب العربية والإسلامية ونخبها منذ مئات السنين. قد يكون هذا الراي من باب المبالغة او الحماس لكنه راي لا ينطبق او لا يتطابق مع الموضوع فالمفروض ان يقول هؤلاء: ان العراق يفتقد الثقافة النقدية الباعثة للتساؤل والناقدة للانساق المهيمنة على الروح العراقي والمانعة لهذه الروح من التحقق في مجالات العمل والابداع ورسم معالم طريق في العراق من غير هذه الصعوبات الجمة المفتوحة على الحروب والمشكلات بلا حدود. في أسلوب مواز لذلك يطرح العديد من المفكرين “من العرب والمستشرقين والمفكرين الغربيين” اراء تعتبر التخلف في الدول العربية وفي العراق تخلفا بنيويا. لا تستطيع هذه الدول بحكم هذا التخلف ان تتحرك في فضاء من تعدد الخيارات.
وتعتبر الثقافة هنا سببا ونتيجة بالوقت نفسه لهذا التردي فهي احد أسبابه لانها لم تعمل “بضم التاء” مشرط التحليل في جسد هذه المجتمعات والاستدلال على بوار النخب والقيادات مرتبط بتفشي الجهل والتخلف والامية والبعد عن الاخلاق الإسلامية لدى عوام الناس أيضا. كما يستتبع هذا النقد توجيه ذات المشارط النقدية الى ثقافة وحضارة الغرب التي امعنت بتمزيق الثقافة الوطنية لمستعمراتها عندما أدخلت هذه المستعمرات بعد سنوات الاستقلال في مشكلات مع بعضها البعض ومع مكوناتها الاثنية تاركة الغاما بكل من هذه الدول يمكن ان تنفجر او ان يقوم صاعق استعماري بتفجيرها عندما تستدعي مصالحه هذا التفجير.
في الحالة العراقية فان العراقيين مشهورون بنظم الشعر على غرار مضغ القات ويستوي في ذلك الشعران الشعبي والفصيح. ورغم زهو البعض وفخرهم بكميات الشعر المنتجة في العراق وباعداد الشعراء بيد ان ذلك يخفي عيبا كبيرا يخص طغيان المجاز على الحقيقة في مجتمع يتعاطى مع مئات او الاف الشعراء. لم تكن الثقافة العراقية في موضع القدرة على تقييم الوقائع وفضلت ان تتركها للعقل السياسي وحده.
من طبيعة العقل السياسي انه عقل اداتي وعملي لا يسائل كثيرا بل يفضل الدخول العمل والتجريب من دون افق استراتيجي او كلي والمسؤول عن هذا الأفق هو العقل الثقافي ومكان هذا العقل منزو وليس له مرجعية غير ذاته وتاريخ من الشعرية ممتد من العصر الجاهلي حتى اليوم فانه عقل ضعيف القدرة على بناء دولة ومؤسساتها. وهذا بدوره او لوحده يشكل عامل ادانة لهذه الثقافة واصحابها وكذلك للنخبة السياسية التي لا يدرك معظمها قيمة وخطورة الاستعانة بالثقافي للمساهمة بتوجيه العقل السياسي نحو مضانه وتخليق فرص النجاح في عمله وعلى الأخص في موضوعات خطيرة وحساسة تلك المتعلقة بوحدة البلاد وسلامة أراضيها بطريقة موازية للحلول الداخلية للمشكلات واخصها باعتقادي الوصول الى نظرية للمواطنة العراقية لا تعتمد الأسس والتشريعات المتطرفة نفاقا ربما للاصوليين والسلفيين ولكن على أساس المواطنة العراقية وهي مهمة الثقافة والمثقفين الجدد الذين يستشعرون هول الفراغ الذي تعيشه الساحة السياسية العراقية المجردة من الخبرة الثقافية الوطنية الضرورية لادراك الساسة حقائق الوضع وخلفياته وافضل الطرق الموصلة الى حله.

عن Admin

شاهد أيضاً

الضاد لغة لأمة لا تنتج المعرفة.. حماية اللغة العربية بين المجتمع والمجامع اللغوية

بسمة عبدالعزيز خلالَ السنوات الأخيرة، ازدادت حال اللغة العربية تدهوراً على الألسنة، وعبر المكتوب بها …

اترك تعليقاً