الرئيسية / تقارير و أستطلاعات / كيـــف يُصبح الفارغون مشاهيراً

كيـــف يُصبح الفارغون مشاهيراً

مام يحيى

يشيعُ على وسائل التواصل الاجتماعي قول مشهور هو “Stop making stupid people famous” أو “توقّفوا عن جعل الأغبياء مشاهير”، وانتشار هذا القول دليلٌ على تذمّر منتشِر من كون وسائل التواصل الاجتماعي ساهمت بالفعل في جعل كثير من العاديّين مشاهير. نحاول في هذه العجالة تقديم تفسيرٍ لهذه الظاهرة في سياقنا العربيّ.
بطبيعة الحال، لا ينشأ هذا الجدل إلا حين يسري شعورٌ بأنّ هنالك تبايُنا شديدا بين قيمة ما تقدّمُه الشخصيّة وحجم متابعيها وسعة انتشارِها، فلا أحد يتساءل عن سبب شهرة من لديهم أسباب وجيهة للشهرة والمتابعة الواسعة، من قبيل السياسيّين الكبار والإعلاميين في الفضائيّات الضّخمة المعروفين والمغنّين والممثّلين. إنما ينشأ التساؤل حين يغيب سببٌ واضحٌ للشّهرة، وتساؤل ملحّ عن القيمة.
بالإمكان استقراء بعض أنماط تشكّل الجماهير الالكترونيّة الضخمة، على سبيل التمثيل لا الحصر، سنذكر بعضَها محاولين تناولَها بتفسير محتمَل:

أولا: استغلال القضايا المثيرة للجدل أصلا:
لا شكّ أن “إثارة الجدل” أمرٌ مطلوب أحيانا، فكثير من القضايا التي تؤخَذ كمسلّمات بحاجة لمن يطرحُها ويعيد النقاش بشأنِها، خاصة إذا كان التسليم بشأنِها وأخذِها كما هي مسؤولا عن أنماط سلبية في التفكير والسلوك. مثلا، قضيّة كون الجنّة ، أو النجاة في الآخرة، محصورة بالمسلمين أو ممكنة لغيرهم، قضيّة لم تكن مُثارة على نطاق واسع، لكنّ إثارتَها فتحت المجال لأسئلة مهمّة حول مفهوم الدين وعلاقته بالأخلاق، ومعنى الدعوة والتبليغ، والالتفات إلى دور التشويه الإعلامي وسلطة الدولة في بناء مواقف مسبقة من دين أو تديّن معين، وغيرِها.
غير أنّ هناك قضايا جدليّة بطبعِها، ولا تحتاج ذكاء في الطرح ولا شجاعة في التناول ليقوم جدل شديد بشأنِها، فمن يُثيرُها بأية طريقة، ومهما كان الموقف الذي سيتّخذُه، سيُثير جدلا، لأنّ الموضوع بطبعِه وبسائر مواقفه جدليّ. مثلا، قضيّة تعدّد الزوجات. سواء أكان من يطرحُها رجلا أو امرأة، مؤيِّدا أو معارضا، متحفِّظا أو صريحا، فهو سيحظى بجدل كبير. هذا النوع من القضايا، وتعمّد إثارتِه، مسؤول عن تشكيل جماهير كبيرة. والطريف أنّ من يُثير العديد من هذه القضايا سيشكّل جمهورا ضخما، سواءٌ اتّسقت مواقفُه من هذه القضايا وفقَ رؤية معيّنة أو لم تتسق، فالاتساق -تبنّي الرؤية المحافظة مثلا- سيجمع المحافظين ويُكتّلُهم حول الشخص، أما عدم الاتساق، فسيضمن انضمام جماهير جديدة من اتجاهات متنوعة للجدل كلّ مرة، وتوسيع نطاق الجمهور وإن كان جمهورا غير متّسق.
ثانيا: مخاطَبة الجماهير الجاهزة:
هناك قضايا لها جماهيرُ جاهزة ولا تحتاج لخلق، سواء أكانت جماهير تتخّذ موقفا من هذه القضيّة، أو جماهير ذات انتماء حزبيّ أو فكريّ معيّن. مثلا، لـ “نقد الإخوان” جمهور جاهز، قوامُه الخارجون من الإخوان، وأعداء الإخوان التقليديون، وغيرهم، وهناك بالتالي جمهور متوقّع ومستعدّ لمن يتناول هذا الشأن، وقلِ الشيء نفسَه عن نقد السلفيّة، أو نقدِ أي اتجاه فكريّ خصوصا من خارج عنه أو متمرّد عليه، وكذلك بالمقابل مُخاطَبة الجمهور المنتمي لتيار فكري معين. بعض التيارات مثلا تنتظرُ شاعرا أو روائيّا يُعبّر عنها، أو شخصا تريدُه مفكّرا ومنظّرا لها أو لاتجاه فيها أو لمرحلة تخوضُها، فحين يأتي من هو مستعدّ لملء المكان، سيكون جمهورُه بانتظاره، ولن يكون نقصُ كفاءته أو محدوديّة قدراتِه عائقا عن تشكيل جمهور ضخم، لأنّ الجمهور يريد ملء الفراغ أكثر من حاجتِه لمضمون جديد بالضرورة.

ثالثا: دعاة الإيجابيّة والنجاح:
هذا الصنفُ عابرٌ للاتجاهات الفكرية والإيديولوجية، لأنّه لا ينتمي لأي منها ببساطة، بل هم مجموعةٌ من البشر الذين يبشّرون بالإيجابيّة في كلّ وقت، ويرون الجانبَ الجيّد من كلّ شيء، ويدعون دائما للنّظر لنصف الكأس الممتلئ. ليس في حياة هؤلاء، ولا تصوّرهم عن الحياة عموما، إشكالات جوهريّة واختلالات ينطوي عليها وجود الإنسان ومُقامُه في هذه الحياة بالضرورة، بل الإشكالات نابعة دائما -حسب تصوّرهم- من خلل في الطريقة التي ننظرُ بها إلى الأشياء.
حياة هؤلاء، كما يرونَها وكما ينقلونَها لمتابعيهم، سلسلة من النجاحات التي لا تتوقّف، فزيجاتُهم مثاليّة، وكانوا موعودين بشريك حياتِهم في الخفيّ من العلامات وفي الجليّ من المنامات، وطلاقاتُهم مثاليّة يحكمُها قدر إلهيّ ولطفٌ خفيّ وحكمة ستبدو يوما، وأولادُهم حادّو الذكاء مكتملو التربية، وأمّهاتهم وآباؤهم أفضل من أنجب وربّى، يكتبون عن عصاميّة الغنيّ وعلوّ همّتِه واغتنامه للفرص بإعجاب وتقدير، ويكتبون في الوقتِ نفسِه عن راحة بال الفقير وبساطة بسمتِه وخلوّه من الهموم -!- وكدّه الهادئ وتسليمه بالمقدور.
الكتبُ التي يقرأونَها مفيدة كلُّها، والأفلام التي شاهدوها ستخسر نصفَ عمرك إن لم تُشاهِدْها. أصدقاؤهم كُمَّل، ولا يمكن أن يتورّطوا في صداقة مخادع أو لئيم، ومدعوّون دائما على الإفطار والغداء والعشاء مع أفضل أصدقاء يمكن أن يحظى بهم بشر، وأنت مدعوّ لمشاهدة أطباق هذه الوجبات معهم على “إنستاغرام”، وحتّى لو وقعوا ضحيّة لخيانة صديق أو لؤم شريك فهذه كلّها تقديراتٌ إلهيّة من أجلهم لكي يكتشفوا قدرتَهم العالية على الصفح والغفران والتسامي والترفّع.
ينشرون قصصَ الحبّ الملهمة، وقصصَ النجاح المبهجة، خصوصا ما كان منها بعد إخفاق مؤقَّت، فهذه كلّها دلائل تدعمُ رؤيتَهم للحياة وتصوّرهم عنها. من الصعب على كثيرين مقاومة نمط حياة من هذا النوع، ولذا، فهو قادر على استقطاب جماهير ضخمة.

رابعا: الحديث في الزواج، أو لنقل في الجنس:
لا أتّفقُ مع من يرى أنّنا مجتمعات تُعامل الجنس ك “تابو”، وأرى أنّ من يقولون بهذا الرأي يردّدون كلاما استشراقيّا بلا تدقيق، لكن ممّا لا شكّ فيه أنّ مجتمعاتنا اعتادتْ أن تُحيط الجنس بأجواء من الرّهبة والخصوصيّة، وتعاملُه كطقس وفنّ، لا كعلم أو حديث عامّ مفتوح. ومع أنّ الزواج يشتملُ بالتأكيد على أكثر من الجنس، إلا أن الحديث في “الزواج” هو في كثير من الأحيان مدخل أو ستار للحديث عن الجنس، وهذا متّسقٌ مع ما سبق من كون مجتمعاتِنا اعتادتْ على أن تنفر من المباشرة والإفصاح في موضوع الجنس، وتفضل أن تُحيطُ الحديث فيه بالغموض المشوِّق.
إذا رأيتَ كتابا اسمُه “أسرار الزواج” على رفّ مكتبة عربيّة، فستعلم أنّه يخصّص ولا شكّ جزءا مهمّا -إن لم يكن الأهمّ- للحديث عن الجنس، لكن إن رأيتَ كتابا بعنوان “أسرار الجنس” فربّما تتوقّع أن يكون الكتابُ نوعا من الإثارة الرّخيصة، أو الإفصاح غيرِ المرغوب. أزعمُ أن هذين العنوانين لو كانا على غلاف الكتاب نفسِه فسيثيرُ الكتاب توقّعات مختلفة وردّات فعلٍ مختلفة حسبَ كل عنوان.
في ضوء ذلك، فأكثر “أحاديث الزواج” في وسائل التواصل ذات شعبيّة، ولكونِها مرتبِطة بالجنس دور أساسيّ في ذلك. يصدقُ هذا بالذات على أوساط المتديّنين الذين يكتسبُ الحديثُ في الزواج رواجا خاصّا لديهم، خصوصا ضمن الظروف المميزة التي يوفّرُها موقع مثل “آسك” حيث يمكن الحديث عن الأشواق والبواعث، وتقديم الاستشارات والنّصائح، بل حتّى توفير فرصة لمجرّد السؤال والمشاركة في قضايا خاصة، فمجرّد السّؤال ومشاركة المشاعر أمر محبّبٌ إلى النّفس ويمكن أن يستجلبَ لذّة أو ينفّس ضيقا.
وبالتالي، من يرتبطُ بهذا الدّور يمكنُ أن يحظى بجمهور ضخم، ولا يُشترَط لذلك تحصيل معرفةٍ في العلاقة العاطفيّة أو التجربة الجنسيّة، سواء أكانت هذه المعرفة خبرةً خاصّة أو دراسةً منهجية، فما يُريدُه النّاس هو الحديث في هذا الأمر، سماعا وقولا، بل لربّما رغبوا في من يجيبُهم إجاباتٍ تتجاوب مع أشواقِهم وتطلّعاتهِم وانكساراتِهم أكثر من رغبتِهم فيمن يقدّم لهم فهما أفضل لأنفسِهم ودوافعِهم وللأسباب التي تجعلُهم يقاربون هذه القضايا بتصوّر معيّن أو سلوك معين بالذات.

خامسا: إعادة إنتاج “النجم”

الجمهورُ، وإن أُعجِبَ ببعض أهل الثقافة الرفيعة، إلا أنّ لديه ميلا إلى تقديم من يشبهونَه، ومن يشعرون أن نجوميَّتَه لا تشكّل تحدّيا لهم، على مستوى الذّهنيّة والذائقة.
من سمات “ما بعدَ الحداثة” النفورُ من تقسيم الثقافة إلى رفيعة ووضيعة، فالثقافة بسائر أشكالها ومستوياتِها وانتشارِها طبقيّا تكتسبُ قيمتَها الخاصّة. في سياق عربيّ وإلى زمن قريب، كانت المجلات ودور النّشر محدودة وذات معايير صارمة، فلم يكن متاحا لأيٍّ كان أن ينشرَ مقالا أو قصيدة أو كتابا، ولذا، كان صدورُ كتابٍ ما حدَثا، بل كان صدورُ قصيدةٍ ما حدثا، يتداولُه المهتمّون وينشغل النّاس به زمنا. بل كان يجب على مقرئ القرآن أو المطربِ أن يحظى بأهليّة متميّزة وتفوّق لافت لكي يحظى بفرصة الظهور للنّاس من خلال الإذاعة أو التلفاز. لم تكن الوسائل محدودة فحسب، بل كانت معاييرُها صارمة. كانت الثّقافة المرتبِطة بالإعلام هي الثقافة الرفيعة في المجمَل.
لكنّ الأمور تغيّرت جذريّا، حتى قبل انتشار شبكات التّواصل الاجتماعي. لم يعد ظهورُ النجم منوطاً بأهل الفنّ والصنعة، بل غدا الجمهورُ مساهِما أساسيّا في إنتاج النّجم. وهنا أختلفُ جذريّا مع من يرى أنّ النجوم التّافهين مفروضون على الجمهور. علاقة الجمهور بالنّجم ديناميكيّة معقّدة، لكنّ الجمهور، وإن أُعجِبَ ببعض أهل الثقافة الرفيعة، إلا أنّ لديه ميلا إلى تقديم من يشبهونَه، ومن يشعرون أن نجوميَّتَه لا تشكّل تحدّيا لهم، على مستوى الذّهنيّة والذائقة. لماذا يجعلُ الجمهور من “أدونيس” شاعرا نجما وفي متناوله “هشام الجخّ”؟ ولماذا يجعل من مفكّر سياسيّ نجما وفي متناوله شاب يقدم “ستاند أب كوميدي” في قضايا سياسيّة؟
بالتّالي، تنشأ علاقة منفعة متبادَلة بين الجمهور وبين “النجم العادي”، علاقة يمنحُ فيها الجمهورُ النجمَ الشهرة، ويمنحُ فيها النجمُ جمهورَه إنتاجا لا يتحدّى ذائقتَهم وأذهانَهم وأنماطَ عيشِهم، بل يمنحهُم رضىً عن أنفسِهم لأنّ هذا النجمَ المشهور لا يختلفُ عنهم ببساطة. علينا أن نتذكّر أن الشهرة سلطة، وبهذا المعنى، فالجمهور يمنحُ النجمَ العاديّ سلطة الشُّهرة، والنجمُ العاديُّ يمنحُ جمهورَه موقعا دائما بالقرب من السلطة وضمانا بألا تتحدّاهم هذه السلطة أو تفترقَ عنهم.

عن Admin

شاهد أيضاً

أوروبا والبرابرة.. تقديس المهاجرين وتدنيسهم !

حسام الدين محمد تقدمُ آخر الأبحاث العلمية حول جذور الإنسانية، خريطة جديدة مفاجئة تهز أفكارا …

اترك تعليقاً