الرئيسية / أفكار / في جب الفشل .. الشخصية العراقية والشخصية المصرية

في جب الفشل .. الشخصية العراقية والشخصية المصرية

حارث العنبكي

في أوقاتِ الحروب والأزمات الكبرى تتجه الآراء الناقدة الى الشخصية الوطنية فتقلبها على وجوه عدة فتحاول ان تثار منها بحجة تعديل السلوك بعد وصف مشكلاته كما تبرز هذه الكتابات ما تعتبره ” عيوبا نسقية في الشخصية الوطنية “. والعيوب النسقية هي الانساق المتحكمة بهذه الشخصية او تلك وهي عيوب ليست بارزة او واضحة ليمكن الحديث عنها وعن تجاوزها لكنها بينة الأثر من حيث النتائج المترتبة التي يصعب تفسيرها في الكثير من الأحيان كما حدث مع المصريين والعراقيين وما يزال. في الحال المصرية فان دخول مصر حروب مع إسرائيل وعلى الأخص احدث هزيمة 5 حزيران 67 كانت مدعاة للهجوم على الشخصية المصرية وتعداد الصفات السلبية لهذه الشخصية وقد اعتبرها الكثيرون سبب البلاء والهزيمة.
لا يقتصر الامر على هزيمة حزيران كدافع للكتاب والمؤلفين لتعداد نواقص هذه الشخصية ومشكلاتها. وسوف اعرض الان لاراء مجموعة نخب مصرية بالشخصية المصرية ولنبدا أولا بالسياسي المعروف سعد زغلول الذي يطلق عليه هناك قائد ثورة 1919.
ففي يومياته يذكر زغلول انه واثناء الحرب العالمية الأولى اخبر زملاءه واصحابه: “ان الحب قد انتهت بانتصار احد الفريقين المتحاربين فليس لهذه البلاد- يقصد مصر- نصيب في الاستقلال وليس لحر الشمائل فيها الا ان يرحل عنها والا يصبح غريبا فيها ذليلا مهيض الجناح”. هذا الوصف للشخصية المصرية قاس وحاد وهو اقوى من وصف عمرو بن العاص للمصريين حيث وصف مصر بانها: “ارض ثمارها ذهب ونساؤها لعب ورجالها عبيد لمن غلب”.
بعد سلسلة من التوصيفات الجارحة للشخصية المصرية يقول سعد زغلول: “ان مصر لا يمكن ان تعيش مستقلة فان حصلت على الاستقلال فانها لن تلبث حتى تضيعه”.
اما الكاتب المعروف سلامة موسى فيرى في مصر وقد عاش في اربعينيات القرن الماضي بانها “ماساة جغرافية” ويقول عن ذلك كلاما غريبا عجيبا: “ان مصر نفسها مصادفة سيئة لكل مصري من حيث انها ماساة جغرافية اذ تقع بين ملتقى القارات الثلاث الكبرى كما انها تقع في طريق الملاحة بين اسيا وافريقيا وفوق ذلك تخلو من الجبال التي تيسر لها الدفاع عن نفسها ولهذا وقعت مرارا في الغزو”.
اما الكاتب المعروف جمال حمدان صاحب الموسوعة المشهورة “شخصية مصر دراسة في عبقرية المكان” اذ يرى “ان الطغيان والقهر السياسي هما اس وجذر مشكلة الشخصية المصرية ومصدر سلبياتها وعيوبها وامراضها وبالديموقراطية تسير مصر في طريق الشفاء من هذه الامراض والسلبيات”. اذا تجاوزنا كتابات الدكتور حامد عمار عن الشخصية المصرية التي حصرها بشخصية الفهلوي والتي تعمل تحت شعار انا ومن بعدي الطوفان فقد خرج الكاتب المعروف احمد بهاء الدين براي اقام الدنيا ولم يقعدها بقوله: “النظافة ليست من فضائل الشخصية المصرية”.
صدر في ثمانينيات القرن الماضي كتاب للدكتور محمد عودة بعنوان “التكيف والمقاومة.. الجذور الاجتماعية والسياسية للشخصية المصرية” وقد استعان المؤلف منذ البداية براي عبد الرحمن الكواكبي يقول فيه: “ما بال الزمان يظن علينا برجال ينبهون الناس ويرفعون الالتباس ويفكرون بحزم ويعملون بعزم ولا ينفكون حتى ينالوا ما يقصدون”.

-2-
في العراق فان جهود الدكتور علي الوردي تبقى هي العامل الأكثر تحفيزا لدراسة مشكلات التخلف على ضوء نظريات الشخصية التي يعتقد الوردي انها كافية لتاشير الخلل في التاخر الحضاري والنمو على مستويات الدولة والمجتمع. يعتقد الوردي ان المكون الرئيس في تاريخ العراق بثقافاته وانهياراته هو وقوعه عند حافات اكبر صحراء في العالم والهجرات والغزو من هذه الصحراء لتخريب المدن والمدنية العراقية من جهة ثم باشاعة الأنماط البدوية في الحياة المدنية فالمدينة وأهلها في هذا السياق ينتجون الحضارة ولا ينتجون السلطة فيما البدو والمتريفون ينتجون السلطة ولا ينتجون حضارة وبذلك دخل العراق في جب الازدواجية على مستوى الشخصية وفي التناشز الاجتماعي اذ يعيش المرء في عالم الحداثة لكنه يفكر بمنطق الصحراء او القرية. فاذا اصبح هذا الانسان مديرا او قائدا او وزيرا او انسانا بسيطا بائعا للشاي او صباغا للاحذية على حد سواء فسينقل هذا التناشز الى من يتعامل معهم بالفرض والقسوة والاكراه او بالدعوة والقوة الناعمة وبذلك تفقد المدينة قدرتها على انتاج المدنية.

-3-
قد تقع دراسات الشخصية في منزلق التحيز مع او ضد في غالب الأحيان تشكل هذه الدراسات نوعا من الثار مع التاريخ او مع الاخر وقد ظلت دعاوى الوردي في العراق في الشخصية العراقية حتى اليوم والكثيرون لا يعرفون السبب الا اني اعتقد ان هذا السبب يكمن في ان العراق ما يزال عند حدود اطلالته الأولى على التاريخ وان الفترة التي كتب فيها الوردي عن الشخصية العراقية ظلت ممتدة باشتراطاتها وقوانينها حتى اليوم.

عن Admin

شاهد أيضاً

الضاد لغة لأمة لا تنتج المعرفة.. حماية اللغة العربية بين المجتمع والمجامع اللغوية

بسمة عبدالعزيز خلالَ السنوات الأخيرة، ازدادت حال اللغة العربية تدهوراً على الألسنة، وعبر المكتوب بها …

اترك تعليقاً