الرئيسية / رؤى / الاستغراب ليس هو الاستشراق معكوساً

الاستغراب ليس هو الاستشراق معكوساً

د. محمد الكافي

عودنا الدكتورُ حسن حنفي أستاذ الفلسفة المرموق في الجامعات المصرية على تقديم اطروحات مثيرة تحرك الركود والسكون في الجو الثقافي السائد. فعلى مدار العقود الأربعة الماضية قدم حنفي العديد من الاطروحات التي عبر من خلالها عن حاجة الامة للتجدد والانعتاق من العجز الذي أصابها فاضاع معناها وقوض قدراتها. ففي مشروعه الكبير ” من العقيدة الى الثورة ” بعدة مجلدات نال الدكتور حنفي مرتبة المجدد حيث يصطف مع مفكري الدرجة الأولى من العرب والمسلمين.
طالت موضوعاته الفلسفة وعلم الكلام والأصول وامتاز الدكتور حنفي بروحه المتسامحة وانفتاحه على الجميع وكان قد قرض منذ فترة مبكرة الجهود التجديدية للشهيد محمد باقر الصدر في الفلسفة وعلم الأصول خاصة. ليس من شان هذه الفسحة من السطور تقييم المشروع الفكري للدكتور حسن حنفي لكن موضوعا اعتبره مثيرا ومتجددا هو الذي يتعلق أساسا بالموقف من الثقافة والحضارة الغربية اعتقده متجددا وموضوع الساعة دائما وهو الاستشراق وتحولاته. لا استطيع السير وراء مقولة نهاية الاستشراق وما يلحقها من مقولات “التابع ينهض” او “ريح الشرق” او “نهاية الكولونيالية وبداية العالم النامي او الثالث”.
فالانسياق وراء هذه العناوين البراقة يخفي كما اعتقد عجزا عن رؤية الحقيقة وان كانت مؤلمة ومحبطة. دخل الدكتور حنفي بهذه السخونة النظرية في الجدل حول الاستشراق كمتغير رئيس في صياغة نظرة الغرب الى الشرق بكل تداعياتها من الظاهرة الاستعمارية الى تناول الهبورغر!
يعتقد الدكتور حنفي انه قد ان الأوان لان يتحول الغرب في فكرنا وثقافتنا العربية الإسلامية الى مادة للدراسة بدل ان يكون هو المادة الدارسة للشرق والتي انتجت مفهوم الاستشراق. ويعتقد الدكتور حنفي ان الازمات البنيوية الاخذة بخناق المشروع الغربي عامة تكفي لان يتحول هذا المشروع الى دافع “للتابع الشرقي القديم” لان يحوله الى مادة للدرس ليتخلص الشرق بذلك من عقدة كونه موضوعا للاستشراق منذ عصر النهضة الاوروبية حتى الان.
من الواضح ان هذا الراي على اثارته لا يتمثل منهجيات الدكتور حنفي الباحث عن “منطق ثوري” إزاء العقيدة الاشعرية التي حكمت تصور الانسان المسلم إزاء الواقع والطبيعة والمجتمع. فالدكتور حنفي يقع فيعين الاشكال الذي وقع فيه الاشاعرة وشكلانيتهم وادواتهم الأصولية للبحث عن الحقيقة “الجاهزة” والاحتكام الى توالد ذهني للمعارف قد يأخذ محل الواقع وجدلياته الخاصة.
كيف يتحول الغرب الى موضوع للدرس والغربيون انفسهم يوميا يقدمون عشرات او مئات الأدلة على انهم يكافحون ضد هذا المازق الذي وضعته فيه الأيديولوجيات المختلفة. فقد وصل الامر في الغرب الان الى حدود اعتبار الليبرالية مكونا ثالثا من مكونات الحداثة الغربية في مصفوفة الأيديولوجيات التي تتضمن إضافة اليها كلا من النازية والفاشية من جهة والشيوعية من جهة أخرى. واعتبار خسارة ونهاية اليقينيات الفلسفية الشيوعية وكذلك النازية والفاشية قريبة من اشهار الليبرالية افلاسها الان وخاصة بعد الازمات الاقتصادية العاصفة وظهور حقيقة النخب السياسية والشكلانية المتحكمة بالاسس الليبرالية للانظمة الحاكمة في الغرب.
هذه النقود للغرب من داخل الحضارة الغربية ومن الاكاديميين والمثقفين المرموقين إضافة للعاملين في ثقافيات الاعلام واكثرهم ينصبون سرادق العزاء للحضارة الغربية المعاصرة والمتمثلة أساسا بالصفحة الليبرالية منها وهي الباقية الوحيدة التي تصارع للبقاء بحسب الوصف العام لنقاد الغرب من داخل الثقافة الغربية.
سؤال للدكتور حسن حنفي: ما هي الأدوات التي يمكن ان يستخدمها الباحث والمفكر الشرقي في تحويل الغرب الى مادة للدراسة.. وهل تكفي أدوات الغرب البنيوية دافعا لذلك.., بعبارة أخرى اذا لم يكن الشرق “على العموم” منتجا لحضارته واساسيات حياته وموطنا للتكنولوجيا ومنجزا للعقد الاجتماعي ومنتهيا من الاقتصاديات الريعية ومتمسكا بحقوق الانسان كي ينجز مفهومه النظري المنبثق من هذه الاساسيات كنتيجة عفوية للحراك العام في نقد الغرب ومفاهيمه. من دون هذه الأساسيات تبقى الدعوات الى تحويل الغرب موضوعا للدراسة مجرد الهامات شخصية باحثة عن معنى للحضارة العربية الإسلامية ليس اكثر. وهي مشاعر محمودة ودليل على الثقة بالنفس وبقدرات الحضارة العربية الإسلامية على التجدد لكنها من الناحية الواقعية لا يمكن الا ان تسلك طريق الاشعرية والايديولوجيات الراديكالية التي تحكمت بالمنطقة العربية حيث افقرت بهذا التحكم إمكانات العرب والمسلمين بالظهور على مسرح التاريخ بحسب ما تؤهلهم امكاناتهم التي جربها العالم معهم ابان النهضة العربية الإسلامية في القرون الوسطى وعلى الأخص فسما سمي بالعصر العباسي.

عن Admin

شاهد أيضاً

حـروب المستقبـل

عبد الجبار البياتي اغلبُ الظن ان موضوعة حروب المستقبل ستصنف بانها من التطورات الكونية التي …

اترك تعليقاً