الرئيسية / الأخيره / التنميــة البشريــة في العراق

التنميــة البشريــة في العراق

الإنسان هو الرأسمال الحقيقي

زهير عمران الجبوري

يفرقُ الفيلسوف الألماني الشهير هيغل بين ثلاثة مستويات للوجود الإنساني هي:
– الوجود الطبيعي.
– الوجود في طور التحقق.
– الوجود المتحقق.
اذا ما عرضنا هذه الفكرة على تراث امير المؤمنين (ع) سوف نجد المحاكاة او التناص الهيغلي لامير المؤمنين واضحا.
ففي تقييم امير المؤمنين للوجود الإنساني تقسيم الى ثلاث مستويات هي:
– عالم رباني.
– متعلم على سبيل نجاة.
– همج رعاع.
ولا يحتاج الامر الى كبير معرفة لادراك التناص الهيغلي مع عطاء امير المؤمنين (ع) الفكري والفلسفي الشامل. فالانسان غير المتحقق عند هيغل يجد مصداقه عند امير المؤمنين بالهمج الرعاع اما الانسان في طور التحقق هيغليا فهو في وصف الأمير عن متعلم على سبيل نجاة. اما التحقق فهو حاصل عند العالم الرباني وهذا ينطبق على الافراد والمجتمع الذي يكونونه على حد سواء.
في الوقت الذي استفادت فيه اوربا فترات خوضها كفاح التخلص من الإرث السيئ فقد كان هيغل وغيره من الفلاسفة في ضمير السياسيين المثقفين أصحاب التغيير. وبسبب ذلك استطاعت اوربا التخلص من تبعات عوامل القهر والسيطرة الكنسية وجمود الاقطاع لتصنع حياتها الخاصة ثم تفرض هذه الحياة “حقا وباطلا” كتنميط كوني ومثال انساني صالح للمحاكاة.
اما في الحضارة العربية الإسلامية فلا صلة كبيرة بين الفكر والثقافة من جهة وبين الممارسات السياسية ونخب الحكم الا نادرا. والمقارنة بين أفكار هيغل وتناصها او تشابهها مع نصوص امير المؤمنين (ع) تعني لي شيئا مهما قد يشكل مفتاحا لفهم اعراض التخلف والانشداد للماضي التي تاخذ بخناق الامة العربية والإسلامية فتعيق تقدمها وتعرقل طموحها لبلوغ درجات التحضر والنمو.
يرتبط النصان العلوي والهيغلي بما نطلق عليه اليوم او قريب منه مصطلح ” التنمية البشرية ” بعبارة أخرى فان مؤدى كلام الأمير هو تحويل الهمج الرعاع للمرتبتين الأولى والثانية وهي المهمة التي استغرقت جهده وشخصيته المقدسة أيام خلافته حتى استشهاده. من الناحية الهيغلية فان غايات التنظيم السياسي والاجتماعي هي دفع الذي في طور التحقق الى التحقق الكامل ثم انتشال البدائيين وهم المرتبة الثالثة ووضعهم في برزخ التاهيل للتحقق.
اطلق علم الاجتماع الأوربي على هذاالجهد “العلوي والهيغلي” مصطلح الهندسة الاجتماعية أي جهد النخبة في تاهيل الانسان كي يأخذ دوره في مجتمعه ووطنه بالعمل واحترام النظام وطاعة القانون والانتظام في مجتمع التعاقدية الاجتماعية. ليس من شخصية في تاريخ المعرفة والسياسة وعلى نطاق كوني طبقت هذا المفهوم ونظرت له بمستوى امير المؤمنين (ع) ومع ذلك فان هذا التراث الفذ لم يأخذ طريقه الى ضرورات تنمية بشرية عراقية تتغلب على عقد الموروث والغوغائية او الجماعات البدائية غير المتحققة التي أشار اليها هيغل. تعددت وسائل وظروف الهندسة الاجتماعية وتحولت الى علم يرتبط بالتخطيط للمستقبل ويمكنه التنبؤ بتحولات الاجتماع الإنساني على صعيد البيئة المحلية والكونية ومع ذلك ظل العراق يعاني ازمة “التنمية البشرية” بسبب ضعف الفلسفات الوطنية والتربوية العراقية التي تجتمع حولها النخب الثقافية والسياسية والدينية وهي تدرك ان هذا الطريق هو طريق سالك نحو امتلاك زمام التقدم وحماية وصيانة الوجود الاجتماعي من التزلزل والسياسي من النقص والضعف وما يغري الاخرين باستباحة أراضي البلاد او الشغب على تطوره العفوي.
لم تعد التنمية البشرية مصطلحا عائما بل واقعا يخضع للقياس والاحصاء وهو ثابت ويتراكم ويتوسع بحسب حاجة المجتمعات الإنسانية جمعاء. ونحن نلاحظ على سبيل المثال دولا بسيطة الإمكانات لكنها استطاعت عبور حاجز التخلف وفرضت حضورها على خارطة الابداع الكوني بعد ان وعت أصول الهندسة الاجتماعية وربطها باسس التربية والاحصاء بطريقة متراكمة لا تخضع للعفويات ولا للصدف.
من اقرب الأمثلة على ذلك التجارب الاسيوية الناجحة بالدول المسماة النمور الاسيوية. وعند هذا المنعطف فاني أتوقع ان يتحول العراق اذا ما طبق السياسيون والمثقفون باختلاف انواعهم مبادئ الهندسة الاجتماعية الخاضعة لمنطق واساسيات التنمية البشرية من نمر اسيوي مؤجل الى نمر اسيوي يقفز بعقلانية عراقية تربوية وهندسية اجتماعية على سنوات التخلف والضياع.

عن Admin

شاهد أيضاً

من قرب… منارات بغداد وأطيافها

إبراهيم نصر الله/ مصر أهلُ بغداد أدرى بشعابها، لكن زائرها يمكن أن يدري أيضاً وهو …

اترك تعليقاً