الرئيسية / أفكار / في أصول التخلف العربي

في أصول التخلف العربي

حارث العنبكي

تتعددُ وتختلف الأسباب في الحديث الساخن حول أسباب التصدع والتخلف الذي يأخذ بخناق الدول العربية وشعوبها. ومنشا الخلاف او الاختلاف هو الوقوع على السبب الرئيسي او الناظم الأكبر الذي يشد العرب الى منطق اللادولة ومعاكسة الحداثة من دون القدرة على التواؤم معها وصولا الى منطق الحروب الداخلية متعددة الأسباب واستقواء إسرائيل واستباحتها للمنطقة عموما. قدمت الأفكار الفلسفات الباحثة عن السبب منظورات مختلفة للتفسير وسوف أحاول ان ادلي بدلوي في هذا النقاش بافتراض عامل احسب انه غير مطروق او بالأحرى لا يتلفت اليه كثيرا بالنقاشات الواسعة والعميقة الجارية وسط ذهول الجميع من عمق التخلف العربي ومركزيته وتحوله الى ثابت عكس بقية شعوب الأرض وخلق الله التي تراكم أسبابا للتخلص من التخلف فيما يراكم العرب أسبابا للمزيد منه والوقوع ضمن دائرة فعله وتاثيره حتى ينتقل الى عالم الثقافة “ويبدا منها في بعض الآراء” كي يتم تسويغه وتبريره عن طريق العقل الثقافي العربي الموبوء هو الاخر والمشدود الى افاق الضعف والخسران.

-2-
مساهمتي المتواضعة في هذا الجهد تفترض ضرورة الإمساك باللحظة التي تنازل فيها العقل الإسلامي العربي وقبل فيها بصيغة السلطة الصانعة للمعرفة بدلا عن العلاقة الصحية والأخلاقية الحقيقية التي تصوغ فيها المعرفة السلطة. تفترض هذه المحاولة ان الصيغة العكسية “الشاذة” التي اخذتها العلاقة بين السلطة والمعرفة داخل النسيج الحي للثقافة العربية الإسلامية مسؤولة بدرجة مهمة “وقد تكون حاسمة” في البحث عن ناظم او سبب رئيس لمشكلات التخلف التي لا تستطيع المجتمعات والدول العربية عبورها. ساعة نجد او نقع على اس هذه العلاقة المعاكسة والمتناشزة نستطيع بعد ذلك ان نحدد أسباب الانتكاسات المتتالية للثقافة ثم الفكر العربي الإسلامي في عدم عنايته بدرجة كافية بعدة أفكار وممارسات واحوال تولد بمجموعها شرعية الوجود السياسي وإمكانية العقد الاجتماعي واخلاقية العقد الثقافي وثبات بوصلة الرؤية والتوازن الاجتماعيين ثم الحضاريين. من هذه الممارسات والاحوال:
– الشرعية السياسية ومرجعياتها.
– العلاقة بين الفرد والمجموع: أي اصالة الوجود الفردي وما يتضمنه من حريات او أفكار ضرورية حول الحرية الفردية إضافة الى احقية الجماعة في التبلور على أسس فيها من الوضوح ما يكفي لعدم التعارض مع الفردية.
– القرآن الكريم هو النص فيما تمثل البقية “باستثناء بعض الأفكار عند الشيعة والسنة” فيما تمثل البقية خطابا. لكن الغريب والمثير للدهشة في هذه النقطة هو عدم الاتفاق على حدود الخطاب إزاء مساحة النص وذلك يعني فوق افتئاته على القرآن الكريم تبعثر الجهود وانعدام القدرة على التسمية وتوزع المفاهيم دون ضابط وكلها وغيرها صبت في تقوية عود السلفية الاقصائية التكفيرية منذ فترة مبكرة من التاريخ العربي الإسلامي والاكثر غرابة انها حدثت واستقوى عودها في ازهى أيام الحضارة العربية الإسلامية وقت تنوعها وثرائها فيما يصطلح عليه بالعصر العباسي الثاني.
– المشغل الاخر او القضية الأخرى هي المتعلقة بالحداثة “الغربية” فالحقيقة التي يؤمن بها التنويريون الإسلاميون باختلاف درجات ثقافتهم وعمقها هي ان الإسلام ليس قادرا على هضم الحداثة الغربية فقط بل وإعادة انتاجها إسلاميا. وهم ياخذون بنظر الاعتبار في ذلك افاق النص الإسلامي المتمثل أساسا بالقرآن الكريم وما صح قطعيا من السنة وسيرة الائمة “عند الشيعة وبعض السنة”.
فالحقيقة القرآنية قبل الانقلاب “السلجوقي” بقيت مدار وعي تنويري لدى أئمة اهل البيت والمعتزلة وفرق أخرى حتى تلك التي حاول بنو امية المساهمة في صنعها مثل المرجئة. على ان كثيرا من هذه الأفكار التي تستمد قوتها من النص القرآني ودور العقل في النظرية الاجتماعية والسياسية قد شهد عنتا وتضييقا وحصارا من السلفية التكفيرية التي أصبحت أيديولوجيا السلطة منذ الخلاف “الرسمي” بين المعتزلة والاشاعرة. فرغم المقدمات لهذا الخلاف الا ان حسمه على حساب المعتزلة بالاضافة للتضييق على الشيعة حول نظرية المعرفة الى اعتبارها سلعة متداولة في سوق المعرفة مختصة بما اصطلح عليه “اهل السنة والجماعة” وهذا التوصيف او اللفظ يعتبر وصفا دوغمائيا اجتزائيا يتحول في لحظات الخلاف الى اقصائي دموي عنيف من احداث الشغب الحنبلي حتى اخر انتحاري في بغداد او عواصم الغرب والشرق.

-3-
نظرية المعرفة الإسلامية المعاصرة ومن دون ان يعرف خبراؤها والعاملون فيها وعليها تتغذى من هذه اللحظة التاريخية التي استمكنت فيها السلفية التقليدية التي تحولت الى اقصائية تكفيرية تحديد دائرة “الممنوع والمسموح” داخل مخ الفكر الإسلامي وعصبه والذي لا يخرج عن دائرته علوم اللغة وعلاقتها بتاصيل المعنى الفقهي والاصولي والكلامي والفلسفي فالى درجة كبيرة وقد تكون حاسمة فان المغاليق السلفية هي التي استحكمت بدائرة الالزام والمنع ومرجعياتها بما فيها علم الرجال الذي يمثل اكبر هزيمة للعقل العربي الإسلامي. اعتقد ان الوقوع على هذه التفاصيل بتواريخها وانشدادها الى القوى الإسلامية المختلفة ” اموية- عباسية- سلجوقية” قد يمثل احدى اهم درجات انجاز تنوير عربي إسلامي موجه.

عن ليث الشمري

شاهد أيضاً

مناعة لازمة لصد التزييف.. الشهداء ليسوا في عداد الموتى

لمى خاطر كلما عادَ جمهور بيئة ما إلى وعيه الفطري، وإلى إيمانه النقي بالأفكار ذات …

اترك تعليقاً