الرئيسية / تقارير و أستطلاعات / د. الخزاعي : لا يوجــد في الأرض تـراب يؤخــذ مــن أرض إلى أخرى ليكون مسجداً سوى تراب الحسين

د. الخزاعي : لا يوجــد في الأرض تـراب يؤخــذ مــن أرض إلى أخرى ليكون مسجداً سوى تراب الحسين

أستهل الدكتور الخزاعي فعاليات الموسم الثقافي لمؤسسة المنتدى بصفحته الثانية في محاضرة بعنوان (الكتلة التاريخية- خارطة طريق الخروج من المأزق) وذلك ضمن مشاغل المنتدى في البحث والتقصي الثقافيين عن ايجاد فرص وتسهيل سبل خروج العراقيين من المأزق الحالي.
في البداية قدم النائب السابق الشيخ خالد الأسدي للمحاضر والموضوع بقوله:
شغلَ اصحاب الفكر والمتابعين السياسيين واصحاب القرار ويشغل المواطن العراقي على اختلاف مستوياته ان بلدنا إلى اين هو متجه ومشكلاته المتنوعة المتعددة كيف يمكن معالجتها ومن اين نبدأ وما هي الخطوة المطلوبة وكيف نوجد المساحات والمسافات التي نستطيع من خلالها تجسير الحلول مع بعضها بحيث تتكامل صورة بناء دولة مثل ما نأمل ونريد ومثل ما نتأمل.
في سلسلة ندوات ولقاءات سواء كانت مع القوى السياسية او مع اصحاب الشأن من صناع القرار في الدولة العراقية عازمين على تقديم مساهمة في هذا الاتجاه مرة عبر هذه اللقاءات والندوات ومرة عبر المبادرات الوطنية ومرة عبر الحوارات مع اصحاب الشأن السياسي وحتى تكتمل مناقشاتنا وحواراتنا ورؤيتنا ارتأينا ان نصيغ حوارات مباشرة مع بعض الكوادر والشخصيات للنقاش واجلاء نقاط القوة والضعف في مثل هذه المبادرات واللقاءات، وما نتحدث عنه اليوم هو سلسلة هذه الندوات التي تحمل عنوان “العراق إلى اين؟” وأهم حلقاتها سوف يكون الموضوع الذي سنناقشه هذا اليوم الذي هو “صناعة الكتلة التاريخية” المصطلح عميق في جذوره التاريخية ولكنه ايضاً عميق بما يتعلق بمعالجة وحل المشكلات التي تتعرض لها البلدان على خلفية الحروب والازمات الاجتماعية او الفكرية او الثقافية او الطائفية..الخ. ولذلك نأمل من اخواننا واخواتنا الحضور في هذه الندوة التركيز على الافكار المركبة التي سيتم طرحها في هذا اللقاء ومن ثم نستمع الى مداخلاتكم ان شاء الله.
وبعد ذلك تحدث الدكتور خضير الخزاعي عن رؤاه في امكانات الكتلة التاريخية بقوله:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
العراق الى اين؟ حديث ذو شجون وحديثنا اليوم لن يكون بكاءً على اطلال مجد غابر ولا هو تغن بماض مجيد وانما قراءة لمشهد نعيشه ونتفاعل معه، نتاثر به ونؤثر فيه، ضمن ثلاثية اضلاعها امس واليوم وغدا وزواياها هي الماضي والحاضر والمستقبل . العراق ككل دول العالم تأثر في صناعة مجده وتاريخه بهذه المراحل التاريخية ومَنْ اراد ان يطل اطلالة على تاريخ الامم والشعوب بما فيها بلدنا سوف يجد ان هناك ترابطا بين ما نحن فيه اليوم وما كنا فيه بالامس وما سنطمح له غدا وهذه المراحل التاريخية لا يمكن ان تكون جزءا منفصلا عن نفسها وانما امتدادات للزمن فيها محطات: الاولى قضاها اباؤنا واجدادنا, المحطة الثانية نحن الان مبتلون بها والمحطة الثالثة هي من نصيب ابنائنا واحفادنا، ولذلك حينما نتحدث عن العراق نتحدث عن عمقه الحضاري وعمقه المدني فقد شهد العراق حضارة ضخمة ومدنية ضخمة. وقد يقول القائل ما الفرق بين المدنية والحضارة. المدنية: هي كل شيء يمكن ان يوضع في المتحف فهو مدنية، وكل ما لا يمكن ان يدخل في المتحف فهو حضارة. العراق فيه مدنية وفيه حضارة، مدنيته انه الشعب الاول الذي استطاع ان يبتكر العجلة فهي بداية نشوء الحركة الصناعية في العالم وبدون هذه العجلة لا يمكن للحياة ان تتطور وكل الذين بنوا مجدهم التكنولوجي والتقني الحديث كان قد ارتكز على هذا الماضي الذي هو عبارة عن اختراع الانسان العراقي للعجلة التي تطورت وصنعت منها السيارة والطيارة وما شاكلها من ادوات التقدم العلمي والصناعي، واما المدنية فهي المسلات التي كتبت والنقوش والرسوم التي ابتدعت والكتابة التي اسسها ايضا العراقيون ولذلك فإن المدنية في العالم مدينة للعراق وحضارة العالم مدينة للعراقيين القدامى وهذا ما يجعلنا نفخر بهذه الامة وهذا الشعب الذي نتشرف ان نكون جزءا منه وهو يفتح افاق الحضارة والحياة والمعرفة للامم التي جاءت من بعده. هذه الحضارات أسهم فيها ملوك وانبياء ومرسلون واولياء وجماعات وسموا هذا التاريخ العظيم وجعلوا امامنا مسوؤلية هي ان نستلم هذه الامانة ونضيف لها بصمة جديدة من ابداعاتنا ثم ننقلها للآتين من بعدنا. تكرست هذه الثقافة في ذهن الانسان العراقي فأوجدت لديه شعورا او لاشعور بانه رجل فخور بشعبه ووطنه وارضه وآبائه واجداده وهذا الاحساس الشعوري او اللاشعوري خلق عنده فهما لذاته قد يكون فيه شيء من المبالغة ما مؤداه: انني انا الذي علمت الناس الكتابة وانا الذي علمت الناس الحضارة والمدنية وانتقلت بعد ذلك ضمن ثقافة تتوارثها الاجيال الى احساس بالكبرياء والغرور والعظمة والفخر بهذا الانتساب والانتماء. لكن هذا الغرور والانتماء دفع العراقيون ضريبته ضخمة انهم صاروا اناسا متمردين على مَنْ يحكمهم وهنا معادلة ضخمة جدا بين العراق وحكامه، اقرأ تاريخ العراق كما يقول طه حسين: انا درست تاريخ العراق فلم اجده الا هائجا مائجا.
كل تاريخ العراق منذ بداية الخلق الى يومنا هذا هو تاريخ ليس فيه محطات استراحة من حرب إلى حرب من ثورة الى انتفاضة من صراع الى حروب اهلية او صراع مع جيراننا، ولكن المعركة الاساسية هي بين الحاكم والمحكوم , الناس الذين شعروا بداخلهم انهم بناة للحضارة لم يكن من السهل قيادتهم ولذلك ما قاد هؤلاء المتمردين إلا القساة تاريخيا، القساة هم الذين استطاعوا ان يروضوا هذا الشعب، والشعب كان ينتفض عليهم ويسقطهم ثم يأتي طغاة آخرون وهكذا حرب سجال ما انتهت وهذه المعادلة الضخمة وهذه الجدلية الصعبة دفع العراقيون ضرائبها ضخمة جدا … دماء ودموعا وعرقا وتضحيات ولكن ما انكسر عودهم وبقيت رماحهم قوية كانها اشجار لم تنقلع، وبالتالي تغيرت الحكومات وبقي هذا الشعب، سقط القياصرة والاباطرة والمحتلون والمستعمرون وبقي هذا الشعب، كل الذين دخلوا العراق من الطامحين والطامعين خرجوا من العراق اذلاء مهزومين، وكل الذين دخلوا رغم كل ما يمتلكون من انياب تكنولوجية واسلحة نووية هربوا امام صمود العراقيين واعتزازهم بوطنهم، ولذلك دخلت القوى الكبرى الى العراق وخرجت منه منكسرة . يقولون: ان الاسكندر المقدوني دخل الى العراق فاتعبه العراقيون فجمع المستشارين وقال لهم: انا اريد ان ابدل هذا الشعب اريد ان ازيحه, ارحله وآتي بآخرين جدد، فقالوا له: تستطيع ان تبدلهم ولكن هل تستطيع ان تغير ماءهم هواءهم، ترابهم، فقال:لا، فقالوا له:هذا الماء والتراب والهواء لا ينتجه إلا متمردون كهؤلاء، فيجب ان تتعايش معهم. فهذه الحقيقة التي نعتقدها.. ان العراقيين احترموا انفسهم واعتزوا بمجدهم وتاريخهم ولكنهم دفعوا ضرائب ضخمة وهذا التاريخ نقرأه في مروياتنا وزياراتنا وثقافاتنا .. حين نقف عند صوت العدالة الإنسانية أمير المؤمنين علي بن ابي طالب (عليه السلام) نقول له: السلام عليك وعلى ضجيعيك آدم ونوح، السلام عليك وعلى جاريك هود وصالح . ماذا يعني ذلك … ان الانسان الأول كان عراقيا.. آدم عليه السلام كان عراقيا والنبي الأول كان عراقيا، وابو البشر كان عراقيا ثم جاءت بعده المرحلة الثانية في زمن النبي نوح (ع) الذي كان رسولا وكان الاب الثاني للبشرية بعد الطوفان ايضا كان عراقيا، هذا أيضا يضيف لرصيد العراقي بفخره واعتزازه رصيدا آخر ان الانبياء منا واول البشر منا واول خليفة على الارض اوجده الله تعالى منا، هذه ايضا تعطيك حالة من حالات الزهو والفخر والاعتزاز بالذات والمجد ولكنه ايضا امر ضريبته ان يكون مقاوما دائماً ومقاتلا دائما ومخضب ارضه بدمائه ودماء اهله دائماً، الحضارة التي اوجدها اهل البيت (عليهم السلام) ايضا تركت اثرا اضافيا لهذا الزخم الحضاري للعراقيين، فالائمة (سلام الله عليهم) اختاروا الكوفة عاصمة لهم، علي بن ابي طالب (ع) يترك المدينة المنورة عاصمة المسلمين التي اسسها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ويأتي الى العراق فيتخذ من الكوفة عاصمة ومن العراقيين شعبا وأهلا، ثم لم تنتهِ القضية فقط عند علي (ع) الذي ارسى قواعد العدل السماوي لكي يكون تمهيدا لعدل الهي مهدوي في آخر الزمان .. حين يأتي واحد من اتباع هذا الدين ومن ابناء هذه الاسرة الكريمة لكي يملأ الارض قسطا وعدلا بعد ما ملئت ظلما وجورا ومن هنا تجد ان العراقي اضيف له شيء جديد بان ارضه جعلت للبشرية مسجدا وطهورا فلم نجد في الارض ترابا يؤخذ من ارض الى ارض ثانية حتى يكون مسجدا الا تراب الحسين (عليه السلام) والتربة الحسينية تعني الارض العراقية. كل الذين يأتون لزيارة العتبات المقدسة أول ما ينقدح في ذهنهم أن يأخذوا شيئا من تراب العراق كي يسجدوا عليه هناك في بلدهم .. في اوروبا او اسيا وفي كل مكان، ماذا يعني ذلك: يعني ان هذه الارض مقدسة ولذلك اناسها شعروا بان هذه القداسة تستحق التضحيات.
اذن حسبك ان ترى كيف تحولت ارض العراق الى مثوى لخيرة خلق الله تعالى من سيد الاوصياء امير المؤمنين الى سيد شباب أهل الجنة الحسين (عليه السلام)، ثم بعد ذلك الكاظمين والعسكريين، ستة أئمة اختاروا العراق مكانا ومثوى لهم، وانا اعتقد ان العراقيين ادوا ما عليهم من أدب هذه الضيافة لهؤلاء الناس الكرام وتحولت قلوبهم الى مثوى ومضاجع للائمة (عليهم السلام) لذلك دماؤنا ودموعنا تسيل حبا وشوقا لهؤلاء الناس الاخيار الذين تشرفنا بالانتماء الى مدرستهم. كل هذه جعلت من العراقي انسانا صعب المراس ولذلك كل الذين حكموا العراق كانوا قساة طغاة لانه لا يمكن للضعيف ان يحكم المتمردين.. ذلك مستحيل فقد يسقطه، واقرأوا تاريخ العراق فربما مرت علينا سنوات بسيطة في حالة من حالات الاسترخاء والهدوء اعتقد ان واحدة منها في زمن عبد الرحمن عارف الذي لم يدم الا اشهرا وانتهى. لا يستطيع ان يحكم هذا البلد إلا عنيف قاس ليس تبريرا للقسوة لكنه واقع حال للصراع. حينما تكون قويا تكون موجودا لا تسمح للآخرين ان يشطبوا دورك وبالتالي فهي معركة مستمرة بين العراق وحاكميه. العراق بهذه الروحية مثلا كان وما يزال وعلى المدى الموغل بالقدم ولليوم يمثل المضامين العامة المتعارف عليها لليسار العربي والديني والاسلامي ولو تقرأ فان اخطر الناس الذين واجهوا الحكومات فئتان “الشيعة والخوارج”، وكلاهما يمثلان الخط -الاصيل بكل تأكيد- لكنهم يمثلون الجانب الراديكالي المتمرد الرافض لذلك عندما استخدمت عبارة الرفض لوصف العراقيين لم تكن مجانية فهم فعلا رفضوا الباطل .. رفضوا القسوة .. رفضوا القهر .. رفضوا الاذلال والاستبداد، ولذلك بقي هذا الشعب عنيدا وحينما يسألنا الآخرون: العراق إلى اين؟ نقول باستمرار على هذه الطريقة سنبني مجدا جديدا للبشرية كلها ونحن الشعب الذي سيحمل لواء التوحيد خلف مهدي آل محمد (ع) لكي يملأ الارض قسطا وعدلا بعد ما ملئت ظلما وجورا، هذه القناعة وحدها تكفي لان تمول الانسان العراقي بامصال من الصبر والصمود والتضحية والاعتزاز بخطه وأهله وشعبه ووطنه.
العراق امام عدة طرق، ضمن هذه المعادلة، طريق الاستقرار والازدهار فهذا الشعب يستحق الحياة ويستحق ان يتحدى ويستحق ان يسود ويقود، ولذلك تجد ان الناس خائفة من الشعب العراقي، كثير من الناس يقولون هذا الشعب ينظر لذاته باستعلاء ولذلك لديه حب للسيطرة. وهذا الكلام ليس بعيدا عن الواقع فالعراقي يرى نفسه أكرم من الآخرين واكثر غيرة من الاخرين واعتزازا بنفسه وأعمق تاريخا من الآخرين، وهذه تنعكس على تصرفاته معهم، ولذلك لا يسمحون له ان يستقر. فهناك مشكلة ليست داخلية وانما اقليمية ودولية ان العراق الجديد الديمقراطي الذي يختار شعبه حكامه فإذا نجحت تجربته لربما تتمدد عدوى هذه التحولات الى المنطقة كلها وبالتالي ليست عروش الاخرين فقط ستهتز اذا قوي العراق وانما مصالح الكبار تكون في معرض الخطر اذا كان العراق قادرا على البقاء والنهوض، ولذلك تاريخيا بقي العراق عصيا وقويا وغنيا شاء الله تعالى ان يعطيه من اسباب القوة ما يجعله اهلا لهذا الدور التاريخي الذي ينتظره .
اسباب هذا الفهم بان العراق يخطو خطوات نحو الاستقرار والازدهار هي جملة من القضايا:
اولها الثروة البشرية ذات الالتمعات الذهنية فالشعب العراقي شعب ذكي اينما تذهب تجد العراقيين متفوقين بدراستهم في كل مكان في العالم، في سنة من السنين ذهبت الى الامارات بزيارة رسمية عندما كنت وزيرا للتربية ظهرت نتائج السادس الثانوي هناك واخبرني المستشار الثقافي العراقي بان الأوائل من المرتبة الأولى الى المرتبة الثالثة والعشرين جميعهم عراقيون، وهكذا في كل مكان في العالم، في لندن وزيرة التربية تقول: اذا رجع الاطباء العراقيون الى العراق ستواجه بريطانية ازمة طبية اذ يوجد اكثر من خمسة آلاف طبيب عراقي من خيرة المتخصصين. فالثروة البشرية هائلة لانها مبدعة ومبتكرة وقادرة على ان تفجر طاقات ضخمة توظف في خدمة البشرية . الموضوع الآخر هو الموقع الجغرافي: العراق ليس فقط في قلب العالم الإسلامي ولا قلب الشرق الأوسط وانما بين اوروبا واسيا ولذلك وجوده مورد اهتمام الجميع فما يحدث في العراق يتاثر به العالم كله، والثروات في العراق ليست فقط النفط والغاز وانما الفوسفات والمعادن والكبريت وكثير من الموارد الطبيعية. والنهران الخالدان .. ما من قرية عراقية ألا وهي تغفو على فرع من دجلة او الفرات . في العالم كله لا توجد مثل خريطة العراق … كل مدينة وقرية يمر بها نهر، وهذا يعني ان العراق هو سلة غذاء. يقولون: ان عدد العراقيين في زمن هارون الرشيد كان ثلاثين مليون نسمة وكان العراق يسمى ارض السواد لشدة خضرتها ومن بعيد لا يرى الانسان إلا ارضا سوداء لشدة الخضار، 30 مليونا عاشوا في العراق بدون ان يستوردوا كيلو غراما واحدا من القمح، ويستطيع العراق ان يستعيد دوره اذا وجد اياد نظيفة وتخطيطا استراتيجيا صحيحا وثروة اضافية جديدة هو توفر الامن الغذائي.
التجربة التي نحن فيها وهي التجربة الديمقراطية اذا احسنا التعاطي معها واذا تعاونا جميعا على تركيزها وتثبيتها اعتقد سوف تكون منارة لدول المنطقة وسوف يتاثر بها الجميع وستغير الخارطة السياسية في منطقة الشرق الاوسط كله. ثم عندنا الحاضنة العربية والإسلامية ونحن في وسط العالم العربي والإسلامي ولذلك علاقاتنا الطيبة مع العرب والمسلمين مفيدة جدا لهم ولنا وهذا ما ينبغي لسياسيينا ان يهتموا اهتماما خاصا بايجاد علاقات طيبة بعيدا عن الغل والحسد الذي كثيرا ما ينفجر علينا سيارات مفخخة واحزمة ناسفة مع الاسف من الاقربين منا ونحن نحتاج ان نغير هذه السياسة من خلال الخلق الكريم والاريحية والكرم العراقي المشهود له والمعروف. ان تحويل علاقاتنا الى علاقات طيبة مع كل العالم العربي لان باستقرارنا رخاءنا وتقدمنا وينبغي ان نسير الى تحقيقه. كل هذه العناصر تخلق عناصر قوة ومدد قوي للشعب العراقي الذي تحركت مراكبه الى شواطئ الاستقرار والازدهار وهذا ما نأمل له باذن الله تعالى، وللوصول الى هذا المرفأ نحتاج امرين اساسيين: أولا الادارة وثانيا الارادة، ومشكلتنا اننا لا نجمع بين الادارة والارادة، قد تكون لدينا ارادة طيبة لخدمة الشعب ولكن لم نوفر لها الادارة الناجحة، وقد تكون الادارة ممتازة ولكن لا توجد ارادة. متى اجتمعت الارادة والادارة كلاهما في شخص واحد وشعر المواطن العراقي ان هذا الذي يقود مركبه سوف يوصله الى شاطئ الاستقرار، فانا متأكد انه سوف يمضي معه رغم كل التضحيات التي يقدمها. وكي نصل الى ذلك نحتاج الاستفادة من تجارب الشعوب، كثير من الشعوب مرت بمثل تجربتنا فاليابان خرجت من الحرب مدمرة بعد هيروشيما والمانيا خرجت ممزقة والدولة العثمانية مبضعة ولكنها استعادت قواها وتحولت الى دول كبرى. نحن العراقيين ايضا نستطيع ان نخرج من ازماتنا بقوة وقدرة تثبت وجودنا في المنطقة والعالم كله. اذا استطعنا ان نكون بمستوى المسؤولية التي تناط بنا وانا متأكد اننا قادرون على ذلك اذا توفرت لنا هذه الشروط. ونحتاج الى تفجير الطاقات الوطنية الخيرة.
الكثير من الشباب لربما بعضهم اميون لانه لا توجد فرص لاستيعابهم والزج بهم الى المدارس وتهيئة الظروف المناسبة لهم للوصول الى الجامعات ولذلك الكثير من المبدعين والاذكياء موجودون في القرى والارياف وسكان الاهوار، ولو ان هناك وزارة تبحث عنهم لاستطاعت ان تجمعهم. في العراق توجد مدرسة تسمى مدرسة الموهوبين لا يدخلها إلا الطلاب الذين يتخرجون من الابتدائية بمعدل 100% ثم يدخلون اختبارا صعبا جدا تشرف عليه الجامعات . لم يتخرج من العراقيين إلا 59 طالبا من الاذكياء وهم عبارة عن مشاريع علماء وحكماء كارسطو وأينشتاين. انا عندما كنت وزيرا للتربية طرحت سيرتهم على مجلس الوزراء وحصلت على امتيازات لهم مثل رواتب لهم واقسام داخلية والقبول بالجامعات بدون منافسة وتكملة الدراسة الى مستوى الدكتوراه وتعيينهم فوراً وقمت بالتقصي عن الموهوبين في باقي محافظات العراق فوجدنا العديد من الطلاب وفتحنا لهم مدارس خاصة بالموهوبين في محافظاتهم. ولو استمرينا بالبحث عن مثل هؤلاء سوف نغطي حاجة العراق من العلماء الكبار الذين يستطيعون ان يغيروا معادلات كبرى في المنطقة. فالامكانات كلها متوفرة لكي ينهض العراق من جديد . الاتجاه الاخر هو التخلف والانقسام والصراع الطائفي والصراع الخفي والعلني وبالتالي ضياع كل هذه الامكانات وهذا اخطر شيء يمر به العراق وان هذه الطاقات بالضبط مثل (ولا تؤتوا السفهاء اموالكم) سفيه تعطيه ارثا ضخما بالمليارات لا يعرف كيفية التصرف به ويضيعه، ولكن اذا اعطيته لعاقل يستطيع ان يوظف هذه الطاقات الهائلة ويبني بها ويعمر .. ونحن لدينا ارث عظيم هو الذكاء العراقي وهذه الفرص التي مرت لو جاء مَنْ يستطيع ادارتها بكفاءة سوف يقفز العراق قفزات كبيرة جدا وسيختزل الزمن ويختصر المسافات ، وانا اعتقد اننا مقبلون على هكذا حال اذا تعاونا جميعا ولا نحمل احدا المسؤولية فقط ونحن ننظر له للتنظير. وان هذه الحالة من التخلف والتراجع والانقسام تولد ضعف العلاقة بين المواطن والوطن، في هذه الحالة تفقد الدولة هيبتها ويفقد القانون معناه وتكرس الصراعات المدمرة والتحلل من القانون واستبداله بمنطق القوة وليس قوة المنطق، ويكون البديل عن الدولة هو العشيرة او الحزب او الجماعة او المافيا وهذا هو اخطر شيء في البلد اذا ظل بهذه الطريقة من التراخي والتراجع المستمر. والحالة الثالثة هي ان الدولة تبقى عالقة لا في الارض ولا في السماء، صور القرآن الكريم بشاعة حال اهل النار : لا يموت فيها ولا يحيا. هذه الحالة بين الموت والحياة اخطر الحالات فالميت مرتاح والحي قادر على العمل، لكن الذي لا يموت فيها ولا يحيا لا هو منتج ولا هو مفيد وانما يتعب نفسه وأهله. نحن نعتقد ان اية حكومة غير قادرة على النهوض بهذه المسؤوليات هي حكومة عالقة لا هي في السماء فتشمخ ولا هي في الارض فتركز اقدامها وبالتالي ضائعة. حلها في وجود الكتلة التاريخية التي سنعرضها لكم هذا اليوم.
ما هي الكتلة التاريخية؟ هي ليست الكتلة الأكبر، الكتلة التاريخية مفهوم طرح في ايطاليا زمن احد الفلاسفة الكبار اسمه انطونيو غرامشي وهو فيلسوف كبير فتح عينيه على ايطاليا فوجدها منقسمة الى شطرين شمال وجنوب، الشمال مترف غني وقوي ومعمر، والجنوب فقير ومسحوق مهمش وتسحقة اكثر الكنيسة المسيطرة عليه، ولذلك هو ومجموعة من المثقفين ممَنْ يحملون هم البلد والناس اجتمعوا وبداوا يفكرون بعمق كيف نستطيع ان ننقذ وحدة ايطاليا التي سوف تتمزق، اذ لا يمكن ان يعيش الفقراء في جانب والاغنياء في جانب آخر ولا يوجد تواصل بينهم ولا تكافل اجتماعي، فهذا الفيلسوف ومعه الكثير من المثقفين بذلوا جهدا استثنائيا في حوارات معمقة عن كيف نستطيع ان نحافظ على وحدة ايطاليا وكيف ننقذها من حالة الضعف والتمزق والتلاشي فوصلوا الى هذه القناعة ان دعونا نشكل كتلة اكبر وهي الكتلة التاريخية التي تبحث عن المشتركات بين كل القوى المؤثرة والفاعلة بالمشهد السياسي ولا تبحث عن الخلافات التي اتعبتنا ولا نتيجة منها.
دعونا نتحدث بلغة القرآن الكريم اذ يخاطب أهل الكتاب “قل يا اهل الكتاب تعالوا الى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا اربابا” الكلمة السواء هي البحث عن المشتركات، الكتلة التاريخية هي الكتلة التي تقول: تعالوا نبني عراقا قويا غنيا عصيا قادرا على الحياة وقادرا على التطور، فالجوانب السلبية نرفع فيها شعار “ما نتفق عليه نعمل به وما نختلف عليه يعذر بعضنا بعضا” لا نناقش السلبيات اصلا، السلبيات خصوصيات ذاتية لك ان تتعايش معها اما ان تفرض قناعتك على شعب باكمله فهذا ليس من حقك، تعال نشترك نحن واياك بضرورة حفظ الدولة القوية والوطن الواحد وحقوق المواطنة والتوزيع العادل للثروة والاشتراك في عملية البناء . انا اعتقد اننا متفقون على ذلك ولا يوجد عاقل يختلف في هذه القضية، حينما نقول : تعال للمشترك الذي هو ان نتفق على ما يجعل من بلدنا بلدا قويا وغنيا وقادرا على الحياة. اذا استطعنا ان نشكل هذا الفهم اعتقد اننا نستطيع ان ننهض بالعراق ونبني هذه الكتلة التاريخية الكبيرة.
الكتلة التاريخية اخواني، بدأت تقريبا في نهايات القرن التاسع عشر لان الفيلسوف غرامشي توفي عام 1937 فحتما ان فكرة الكتلة التاريخية كانت في بدايات القرن، واثمر وخلق ايطاليا الكبرى التي تستطيع ان تضاهي الدول الاوروبية بصناعتها واقتصادها وامنها واستقرارها، وقللوا من سطوة الكنيسة وعاشوا كما تعرفون، لكن هذا الفيلسوف لم يكن لوحده وإنما جمع اصحاب الرأي وكل الذين يستطيعون اثراء واغناء هذه التجربة وبروح نقدية ليس فيها ضريبة على الرأي الحر الى ان توافقوا عليها ومشت سفينتهم الى ان وصلوا الى شاطئ الاستقرار والازدهار. واشترك فيها ليبراليون واحرار وديمقراطيون ويساريون ووطنيون لم يتخلف احد ولم يحتكروا او يستأثروا بهذه المواقع، وانما جاءوا ليخدموا، حينما ياتي الانسان بشعار جئنا لنخدم وليس لنحكم يستطيع ان يخدم.
قد يقول القائل: هل ان هذه التجربة الاولى في التاريخ؟ الجواب لا ، ان اول تجربة لبناء كتلة تاريخية هي كتلة بناها رسول الله (ص) في ما يسمى بوثيقة المدينة المنورة والتي جمعت بين المهاجرين والانصار والاوس والخزرج وخلقت منهم امة متحدة فاستطاعت هذه الثلة الخيرة ان تكون مادة الاسلام الاولى التي غيرت مسار الحياة كلها وكانوا ربان سفينة تحمل كل معاني الحضارة التي انارت الدروب في ذلك الوقت وبقيت وما زالت رغم كل الكيد والتآمر على الاسلام والمسلمين لكن ظل الإسلام قويا، السر في ذلك انهم وجدوا كتلة تاريخية استطاعت ان تتحمل المسؤولية وتشق طريقها رغم الصعاب وتثبت للاخرين انهم قادرون على ان ينطلقوا من الجزيرة العربية التي ليس فيها الا الفقر والموت والمرض فاذا بهم سادة العالم وقادة الدنيا. هل توجد في الزمن المعاصر كتل تاريخية حكمت البلدان، نعم التجربة في الجمهورية الإسلامية هناك كتلة كبيرة ضخمة اسمها الكتلة التاريخية، مثلها الامام الخميني وكل الناس الخيرين من علماء دين وشباب مثقف ومن انصار الحرية ثم جاءت تحديات كبرى من الأعداء اولها الحرب واخرها شعار القضاء على الجمهورية الاسلامية ووئدها في مهدها لكنهم ما استطاعوا ذلك، لان هناك شعبا حاضرا في الميدان على طول التاريخ. ويوم سقطت الدولة البوليسية لم تسقط إلا والدماء تسيل وتملا الشوارع، وكان يقال للامام الخميني ان العنف البوليسي يتصاعد من اتباع نظام الشاه ضد المتظاهرين والرافضين للظلم وكان يقول لهم :اكثروا من نزف الدم، هذا الدم هو الذي يصنع الحضارة، فشكلوا هذه الكتلة، ودخلت الكثير من العوامل لاسقاط هذه التجربة لكنها لم تسقط، بعض هذه العوامل ليس مرئيا، وحتى في ظل الزخم العام للثورة الاسلامية وايام الامام الخميني نشأ جيل من المنافقين هم حركة المنافقين (مجاهدي خلق) هؤلاء منظمون مدعومون من الخارج، ومرت في ايران ظروف قاسية كظروف العراق في عام 2006، التفجيرات في كل مكان واستهداف للاسلاميين والمتدينين وللحرس الثوري ولرؤساء الوزراء والبرلمان، لكن الكتلة التاريخية القوية نزلت الى الشارع وثبتت البلد ، ولذلك دخلوا معها في حرب، لم تكن حربا عراقية ايرانية او بعثية اسلامية وانما كونية ضد الجمهورية الاسلامية خرجت من اكمام المقبور صدام ولكن النتيجة تحول هذا العدوان الى انتصار تاريخي ضخم لصالح ايران وتحول الى اكتفاء ذاتي رغم الحصار، الحرب كلفتهم الملايين ولكن خرجت لهم الاف مضاعفة من المجاهدين وفي الحرب خسروا السلاح وقوطعوا وحوصروا لكن تحول الحصار الى اكتفاء ذاتي وصنعوا الاسلحة فلا يحتاجون الى استيرادها من الخارج. وهكذا بقيت الثورة وكان آخرها الحصار الاقتصادي الصعب جدا اذ تحولت ورقة (100) دولار الى مليوني تومان وكان رد هذه الكتلة التاريخية ان نزلت في الذكرى الاربعين لانتصار الثورة الاسلامية بعشرة الاف مظاهرة في كل مدينة ايرانية تسد الافق وهم متضررون اقتصاديا لكنهم شعب يريد الحفاظ على انجازاته ومنجزات الشهداء لذلك بقيت الكتلة الاكبر هي القادرة على تسيير الامور، والان الشرق والغرب كله يتآمر على ايران لكن ايران صامدة، لماذا لأن كتلة تاريخية تحميها، هذه الكتلة التاريخية نحن اولى من غيرنا ان نتبناها.
ماذا تناقش الكتلة التاريخية؟ ومن هم الذين سوف يلتحقون بها؟ الكتلة التاريخية يجب ان تدرك جيدا اننا في عملية سياسية تراكمت فيها الاخطاء، ويجب ان نعترف بها، وهذه الاخطاء المتراكمة تقلل من رصيد هذه التجربة فنحتاج الى معالجتها ودرسها ونشخص الخلل ونضع العلاج وهذا ليس صعبا على العراقيين ولا على السياسيين والعلماء وعلى المؤثرين ودعاة التغيير في العراق.
القضية الثانية اننا بحاجة الى العدالة الاجتماعية فالكتلة التاريخية يجب ان تتبنى العدالة الاجتماعية منهجا حتى لا يشعر الفقير بانه مهمش ليس له نصير، ثم من الخطأ التفكير بتجربة سياسية جديدة فنسقط هذه التجربة ونأتي بتجربة اخرى اذا سقطت هذه التجربة سقطت معها كل المنجزات هذه تحتاج الى ترميم وتغيير واصلاح، ومن يقم بالاصلاح هم اكثر الناس حرصا والذين يختارهم الناس هم رجال الكتلة التاريخية.
الكتلة التاريخية ليست عقيدة أو ايديولوجية، هي تحالف كبير عريض يشمل كل الناس الخيرين الذين يريدون ان يعطوا للعراق ولا ياخذون منه، وهؤلاء كثيرون جدا وحسبك ان ترى ماذا جرى في مواجهة داعش، لم يذهب للقتال المستفيدون من التغيير السياسي، ولكن الفقراء والمهمشين والمتعبين هم الذين ملاوا الخنادق والساحات في مواجهة الطغيان والوحشية والتنمر الداعشي، ولذلك اسقطوا مشروعا كبيرا كاد العراق ان يذوب فيه وينتقل من العراق الى المنطقة كلها ليتقاسموا النفوذ هناك.
الذي يشارك في هذه الكتلة التاريخية وفي صناعتها هم: اولاً الاحزاب السياسية الكبرى المعروفة بكل توجهاتها وبكل عقائدها، فهم يشتركون معنا في صناعة المجد التاريخي والعراق الجديد.
ثانياً: الشخصيات المستقلة ليبرالية أو إسلامية وغيرها فلا تعنيني كثيراً متبنياتهم العقائديه ولكنهم يتفقون معي في خدمة البلد، ان نبني عراقا قويا مزدهرا قادرا على الحياة.
ثالثا: اصحاب النفوذ العشائري، وأنا اعتقد ان العشائر طاقة ضخمة اذا وظفت توظيفا جيدا تغير معادلات سياسية كبرى.
رابعا :علماء الدين ومرجعياتهم المعتمدة بكل الوانهم وأطيافهم ومشاربهم ومذاهبهم.
خامسا: نخب الشباب الاكاديمي وخاصة حملة الشهادات العلمية سواء كانوا خريجي جامعات او حملة شهادات عليا فهؤلاء طاقات هائلة يمكن ان تبني وتعمر.
سادسا: رجال الاعمال وإمكانياتهم التخطيطية والاقتصادية الضخمة تستطيع ان تسهم في رفد هذه المشاريع.
سابعاً: مثقفون فنانون إعلاميون وأكاديميون.
ثامناً: خبراء سياسيون من داخل العراق وخارجه.
تاسعاً: النسوية العراقية فنصف المجتمع العراقي معطل، وقد اثبتت المرأة العراقية قدرتها على ان تنافس الرجل في الكثير من المستويات.
وفي ختام محاضرته اجاب الدكتور الخزاعي عن اسئلة بعض الحاضرين وعقب على مداخلاتهم.

عن ليث الشمري

شاهد أيضاً

أوروبا والبرابرة.. تقديس المهاجرين وتدنيسهم !

حسام الدين محمد تقدمُ آخر الأبحاث العلمية حول جذور الإنسانية، خريطة جديدة مفاجئة تهز أفكارا …

اترك تعليقاً