الرئيسية / أفكار / خريــف أوروبـــا

خريــف أوروبـــا

خضير السوداني

أوروبا ليستْ قارة فقط ولا موقعا جغرافيا يرمز الى بقعة من الأرض التي خلقها الله فقط فهي عنوان للبشرية عندما قادت اوروبا العالم واكتشفت اميركا وكل العالم الجديد وتشاركت مع هذا العالم المكتشف الجديد بما يمكن اعتباره تعريفا جديدا للبشرية وللتقدم وحتى للإنسان. في اوروبا تم اختراع اهم المؤثرات التي صاغت وما تزال قوانين العصر والقوة والسعة والكثرة. من منتجات اوروبا وافاعيلها وفنونها:
– وثيقة الماغناكرتا في 1215 م وهي اثر مهم من اثار ما رست عليه السياسة بعد ذلك من ديموقراطية وحقوق الانسان بعد ان حددت الوثيقة صلاحيات الملوك.
– اختراع الطباعة الذي سهل نشر الكتب والمطبوعات الامر الذي احرج الكنيسة وافقدها قدراتها على احتكار المعرفة.
– اختراع البارود الذي أسهم في تغيير وجه التاريخ فقد مكن الدول من الحفاظ على حدودها ضد الغزو سواء من الدول الأخرى او العصابات او الثوار.
– طاقة البخار في تسيير السفن والقطارات وازدهار سوق التجارة والتبادل السلعي الذي شجع ونما بدوره ظاهرة الاستعمار وحكم الشعوب البعيدة ونهب اوروبا لخيرات هذه الشعوب.
– معاهدة وستفاليا 1612 والتي تم بموجبها ترسيم حدود اوروبا على أساس الدولة القومية ونهاية عصر الحدود السائبة بين الامبراطوريات وشكل ذلك التطور الأسس العملي لبروز ظاهرة الدولة القومية الراعية بعد ذلك لمجتمع الاستهلاك والرفاهية.
– العقد الاجتماعي فقد وصل الفكر الأوروبي الى ان ازمة السياسة تتعلق بالعقد الاجتماعي والذي من الضروري ان ينبثق عن تراض عام بين مكونات المجتمع يتنازلون بموجبه عن بعض حقوقهم لصالح الحق العام الذي هو الدولة.
– الثورة الفرنسية والدستور الأميركي: وهما تطوران في غاية الأهمية لانطلاق اوروبا واكتشافها الجديد”اميركا” لسيادة العالم بالقوتين الخشنة والناعمة.
– احتكار الغرب للقوة النووية تندمج هذه المكونات في حركة هائلة تسمى “الحداثة” وقد التصقت هذه الحداثة مع حاضنتها الكبرى الراسمالية فمثلا في الثلث الأخير من القرن العشرين اعصارا مدويا شمل العالم باسره وهذا الاعصار هو العولمة التي أصبحت بمثابة أيديولوجيا الحداثة. لم تكن العولمة فقط تسارعا في التبادل التجاري غير المتكافئ بين الغرب ومستعمراته القديمة والجديدة لكنها كانت أيضا واساسا عبارة عن ريح عاصفة لاقتلاع ثقافات “العالم القديم” واحلال الثقافة الليبرالية غير المكتملة او الشوهاء بالاكراه والغزو الثقافيين. نجحت اوروبا في مواقع عديدة وفشلت في أخرى بتنميط العالم بثقافتها واخلاقها ومضامينها الفلسفية. وبالنظر لبعض المشكلات التي واجهت تحول العولمة او الامركة او الاوروبة لنظام كوني ليس هناك من يعارضه فقد اخذت اوروبا وأميركا على عاتقها عملية تاديب النظم او الشعوب الرافضة للوقوع تحت التنميط الثقافي والعسكري والاقتصادي للغرب. لم تكن السيطرة الاوروبية على العالم ناتجة فقط عن مظاهر القوة الذاتية وضعف الاخرين بل وقوف اغلب العلماء في الغرب مع سياسات بلادهم الاستعمارية الامر الذي سبب انفصالا بين الاخلاق والعلم.
ولرب قائل يقول: هل ان العلماء القدامى من الرومان واليونان والعرب المسلمين كانوا يقفون بوجه حكامهم.
الجواب على هذا السؤال هو اختلاف حدود الهيمنة ونطاق السيطرة والقدرة فهذه الحضارات القديمة لم تكن لها نفس وسائل السيطرة او القتل الجماعي مثل الأسلحة النووية او الكيميائية. واتذكر هنا جملة قالها وزير الخارجية الأميركي جيمس بيكر لوزير خارجية صدام المقبور قبل اندلاع حرب الكويت باسبوع اثناء الاجتماع في الأمم المتحدة اذ قال بيكر لطارق عزيز:”اذا استخدمتم الأسلحة الكيميائية فلن تكونوا انتم من يحكم العراق في المستقبل” وقد مرت هذه الجملة من دون ان تأخذ حقها في البحث ودلالتها عن كيف يقود الغرب العالم وكيف صنعوا صغارا يقلدونهم مثل صدام وكيف يشترطون عليه شروطهم “الباطنية” عن احداث ووقائع قاموا هم بصنعها وليس غيرهم.
لا جدال ولا شك بان هذا الغرب برمته وبثقافته يتعرض لهزة قوية بل لازمة بنيوية داخلية عميقة وخطيرة وانا اشعر بالعرفان والثناء لصحيفة المنتدى الغراء وهي تغطي هذا الجانب المهم بل والاهم من حياة شعوبنا وحضارتنا إزاء سقم الغرب وامراضه التي ابتلينا بها مع امراضنا المتوارثة التقليدية. ان تنويرا عربيا إسلاميا يقف على أسباب النخر الذي أصاب الغرب وازماته البنيوية الشاملة لن يقينا شرور سقوطه كما ابتلينا بنتائج سقوط العثمانية بل ويدفع اجيالنا الجديدة الشابة الى بناء أساس قوي ومتين للثقة بالنفس وبالدين الإسلامي لاحتواء هذا المنحدر الخطير في حياة الامة وافرادها من الشباب الذين يصنفون الان بانهم بلا قيادات وبلا هوية وانهم “جيل الفيس بوك”.

عن ليث الشمري

شاهد أيضاً

مناعة لازمة لصد التزييف.. الشهداء ليسوا في عداد الموتى

لمى خاطر كلما عادَ جمهور بيئة ما إلى وعيه الفطري، وإلى إيمانه النقي بالأفكار ذات …

اترك تعليقاً