الرئيسية / شخصيات / أنا الماني عند الفوز ومهاجر تركي عند الخسارة

أنا الماني عند الفوز ومهاجر تركي عند الخسارة

يونس جعاد

منذُ أربع أو خمس سنوات تقريبا استقبلت المانيا ما يقارب المليون لاجئ وهم في تزايد مستمر، خصوصًا من البلدان العربية والإسلامية حيث أصبحت تضم حاليًا ما يتجاوز العشرة ملايين مهاجر، يعمل أغلبيتهم بدوام كامل وجزئي، ويفضل أغلبيتهم البقاء في المانيا والاستقرار بها على العودة إلى أوطانهم التي أنهكتها الحروب ونخر أجسادهم الفقر داخلها، ويحاول الجميع الآن الانصهار داخل المجتمع الألماني لتسهيل البقاء والعيش بها، ولتحقيق فرص لحياة أفضل رغم مرارة الغربة والبعد عن الأوطان.
عند ذكر المانيا ومسألة المهاجرين نُجَرُ جرا للحديث عن تركيا التي تمتلك العدد الأكبر من المهاجرين داخلها بأكثر من ثلاثة ملايين مهاجر توافدوا منذ ستينيات القرن الماضي، حيث سعت المانيا لتحقيق اندماج كامل لهؤلاء مع المجتمع الألماني، رغم أنه لم يكن كذلك في بداية الأمر، وهم في تزايد مستمر كل سنة رغم الأزمة السياسية بين البلدين والتي زادت حدتها في السنوات الأخيرة بتعدد الأسباب، ورغم الهالة الإعلامية العظمى أيضا التي ظهرت جليا قبل أشهر حول موضوع ترك مسعود أوزيل للمنتخب الألماني بسبب العنصرية التي عانى منها من المسؤولين والصحافة الألمانية باستعمال شتى الألفاظ النابية، بعد انتشار صورته مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، والتي صنعت جدلا واسعا جدا في الأوساط التركية الألمانية حينها، والذي زادها سوءا أداء المنتخب الألماني ومسعود أوزيل في كأس العالم بروسيا 2018 والخروج من الدور الأول بعد أن كان بطلا للنسخة التي قبلها، والذي سبَّب اعتزال مسعود أوزيل بعد حملة عنصرية المانية ضده جاءت كمخلفات للسبب السابق.
مسعود أوزيل ليس مهاجرا كغيره من الأتراك الآخرين ليس لولادته بألمانيا فكثيرون مثله ولدوا على أراضيها أيضا، لكن صنعت له موهبته في كرة القدم وحمله لقميص المنتخب الألماني شهرة واسعة وافتخاره بذلك حتى على حساب بلده الأصلي وتقديمه لأداء مميز كل مرة جعلاه اللاعب الأبرز والأحسن عند جميع الألمان، فكثيرون هللوا وحملوا اسمه وملايين ارتدوا قميصه بعد كل إنجاز، لكن دوام الحال من المحال، فسقط اسمه سريعا من قلوب الجميع بسبب ما حدث قبل، خلال وبعد كأس العالم الأخيرة بروسيا 2018، حيث فُتِح باب النقاش في مسألة الولاء والحب للوطن الأصلي تركيا، أم لألمانيا التي هاجرت إليها عائلته واستضافته سابقا والتي أعلن حبه لها في عديد المرات السابقة حتى على حساب بلده الأصلي، وهي البلد التي ولد على أراضيها وترعرع داخل مدنها، والتي أعطته التكوين، والشهرة، والألقاب العالمية.
وفي المقابل مقدما لها أيضا كثير الإنجازات أيضا كرد للجميل والصنيع رغم أنه صعب الرد، حيث سقطت كلها في الوحل بعد حين، فاتحة بابا للعنصرية عبر عنه أوزيل قائلا يوما ما: “بقلب مفعم بالأسى، وبعد الكثير من التفكير بسبب الأحداث الأخيرة، لن أعود لألعب على المستوى الدولي ما دمت أشعر بهذه العنصرية وعدم الاحترام تجاهي” في بيان اعتزاله قائلا أيضا :”أنا الماني عند الفوز فقط، لكنهم يتذكرون أني مهاجر عند الهزيمة”. واتهم أوزيل منتقديه بممارسة العنصرية والتمييز حين قال: “هل أفتقد لأية صفة تجعلني ألمانيًا كاملاً؟ أصدقائي ميروسلاف كلوزه ولوكاس بودولسكي ينحدران من أصول بولندية، ومع ذلك لا يتم الإشارة إلى هذا الأمر أبدًا؟ لماذا ينعتونني انا بالذات دومًا بـ”الألماني التركي”؟ هل لأنني تركي؟ هل لأنني مسلم؟”.
مر على هذه الأزمة كثير الأيام والأشهر، ويبدو أن مسعود أوزيل يثبت كل مرة أن العودة إلى الأصل فضيلة يتمناها لنفسه بشدة، مثبتا أن تعلقه ببلده الأصلي يزداد كل مرة، ولا يخجل الآن من إظهاره خوفا من ردة فعل المانية كالسابق متهمة إياه بالولاء لتركيا على حساب المانيا، وعمد مؤخرا على نشر كل ما يتعلق بذلك، حيث نشر صورة له على صفحة حسابه في إنستغرام أثناء زيارته برفقة خطيبته، أمينة جولشا، إلى موقع تصوير المسلسل التركي الشهير “قيامة أرطغرل”، قبل أن ينشر أيضا دعوة لبطل مسلسل “السلطان عبد الحميد الثاني” بولنت إينال التي دعاه فيها لزيارة موقع التصوير أيضا “أخي العزيز مسعود أوزيل، أرسل لك وفريق عمل مسلسل السلطان عبد الحميد الثاني أرق التحيات. نعلم أنك تتابع المسلسل. نشكرك شكرا جزيلا على مشاركاتك على مواقع التواصل الاجتماعي. لو زرت إسطنبول ذات يوم سنكون بانتظارك في موقع التصوير. نفتخر بنجاحاتك دائما، ونأمل أن تكون حياتك الرياضية المستقبلية مليئة بالنجاحات أيضا إن شاء الله”، ورد عليه قائلا: “أنا من يجب عليه توجيه الشكر لك ولفريق عملك على هذا العمل الناجح. نحن الأتراك مجتمع متشوق لمعرفة تاريخه”. حيث أثارت جملته الأخيرة إعجاب الأتراك كثيرا وهي التي لها مغزى ومعنى كبيران جدا، تسكت أيضا منتقديه من الأتراك الذين انتقدوا ولاءه الدائم لألمانيا على حساب دولته الأم تركيا في كثير المواقف السابقة.

عن ليث الشمري

شاهد أيضاً

إيريك هوبسباوم.. تحولات المعرفـة وضوابطها الأخلاقيــــة

المنتدى.. المولد والنشأة ولدَ إيريك بيرسي هوبسباوم يوم 9 يونيو/حزيران 1917 في القنصلية البريطانية بمدينة …

اترك تعليقاً