الرئيسية / أفكار / أميركا.. طليعة الانحطاط أم خلاصة القوة

أميركا.. طليعة الانحطاط أم خلاصة القوة

حسين الجوراني

في الوقتِ الذي يؤكد العديد من المثقفين والاكاديميين ان اميركا هي مزيج من السحر واللغز والتقدم والانحطاط وان هذا المزيج لا يعمل بصفته الدالة الا في اميركا لكن الفيلسوف الكبير رجاء غارودي كتب العديد من المؤلفات ابرزها “اميركا طليعة الانحطاط” وقد فعل مثله نعوم تشومسكي اليهودي الأميركي في كتابات عديدة ابرزها ما يخص العراق كتاب “إعاقة الديموقراطية” الذي صدرت ترجمة له عن مركز دراسات الوحدة العربية منتصف تسعينيات القرن الماضي. ونعوم تشومسكي من اكبر فلاسفة اللسانيات في العالم ويعد مؤسسا لاكاديمية هذا العلم وتوسيع قاعدته المعرفية.
يتفق غارودي وتشومسكي على ان اميركا شر الى الدرجة التي يغطي هذا الشر على خيرها المتمثل بمنجزاتها التقنية والعلمية والحقوقية. باختصار من وجهة نظر الكاتبين الكبيرين فان العالم افضل بدون اميركا. وعلى غرار هذا الموقف وبدرجات اقل يقف العديد من المثقفين الفرنسيين والايطاليين وقليل من الالمان في نقد جذري وراديكالي لكنه لا يتنكر لمنجزات الحياة الأميركية وما قدمته للعالم.
تنطبق المعايير نفسها على الثقافة العربية الإسلامية ونظرتها الى اميركا ودورها في العالم سوى ان هذه النظرة متاثرة الى درجة كبيرة بمواقف اميركا العدوانية وعلى الأخص تقديم ضمانات لإسرائيل واغتصابها الأرض العربية وهو دعم لامحدود وغير مبرر الا بسبب الضعف العربي. إزاء هذا التقييم لاميركا ودورها في التاريخ والحياة المعاصرة يقف فريق اخر من كبار المفكرين والفلاسفة الى مستوى الإعلاميين والاكاديميين ممن يؤكدون ان اميركا هي “حارس الحضارة والمدنية” وان غيابها او تغييب دورها لاي سبب سيؤدي الى انفلات العالم وعودة النظم الاستبدادية والثقافات الفرعية المتقاتلة وبالنتيجة النهائية بحسب هذا الموقف فان العالم ليس ممكنا بغير اميركا وزيادة على ذلك فانه ليس في اميركا فقط فلا إمكانية ذاتية لهذا العالم بل وبدون الابداع الأميركي لا يمكن لاحد مثل الاتحاد الأوروبي ان يضمن بقاء وتيرة التقدم العلمي مثل الحياة والانظمة والقوانين والتشريعات الأميركية.
وهذه التشريعات والانظمة بحسب أصحاب هذا الراي تصل خبراتها وتنظيمها للحياة الى جميع ارجاء المعمورة بما فيها أعداء اميركا وكارهوها مثلما كانت اليابان سابقا التي كانت تحوي نفسا تصعيديا عدائيا غير مسبوق تجاه اميركا ومع ذلك حتى بعد خسارتها الحرب العالمية الثانية فان الطلبة اليابانيين المبتعثين الى اميركا وقدرات التكنوقراط الياباني احالت بلادهم الى دولة مصنعة أولى في العالم. فيما براءات الاختراع في اغلبها التي يستخدمها اليابانيون وغيرهم منبعها اميركا. في منتصف القرن الماضي بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية والدمار الذي لحق بالعالم برزت اميركا قوة جديدة استعمارية وقبل ذلك قدم رؤساء اميركان مثل ويلسون مبادئ تعرف اميركا للناس اجمع بانها الوريثة “الإنسانية والأخلاقية” لاخلاق الاستعمار الأوروبي “البريطاني والبرتغالي والفرنسي” وانها ستقوم بتحضير العالم حول مبادئ حقوق الانسان وعدم التدخل في شؤون الاخرين أي شؤون الدول والحفاظ على علاقات متوازنة تشد الدول الى بعضها بعامل المصلحة والتكامل.
كانت هذه التعبيرات ذات وقع مؤثر على الناس بعد فضائع وكوارث الحرب الثانية خاصة وان الماكينة الإعلامية الغربية عموما والأميركية خصوصا قدمت الاتحاد السوفييتي بصفته امبراطورية الشر التي ظلت عالقة على جسم العالم النبيل المسالم الديموقراطي التي ينبغي ازالتها ليستقر العالم على نظام الديموقراطية واخلاق الليبرالية.
خلال فترة الحرب الباردة عبثت المخابرات الأميركية بكل العالم شرقا وغربا شمالا وجنوبا وقامت بانقلابات وغيرت وجوها واسست لعملاء وقتلت شرفاء وطنيين حتى تلطخت سمعتها فاصبح الحديث عن اميركا الراعية لحقوق الانسان مجرد دعاوى إعلامية لا تصمد امام وقائع استعمار جديد للعالم هو استعمار القوة الأميركية. وقد زادت هذا الاستعمار قوة القوة الناعمة الأميركية المتمثلة بنمط الحياة الأميركية الذي غزا العالم كله. حدث الزلزال وسقط الاتحاد السوفييتي وانتهت انظمة اوروبا الشرقية الشيوعية وكانها من ورق وبدا البحث عن بديل للانظمة الشيوعية التي هرمت واغتربت عن العصر فكان التعليب والراسملة هو البديل المتوفر والجاهز لشعوب اوروبا الشرقية القديمة.
وبسقوط جدار برلين وعودة المانيا موحدة اطل عصر جديد من امركة العالم يتميز هذه المرة باستخدام القوة على كل صعيد وباقصى درجاتها حتى وصل الامر بعد احداث 11 أيلول الى اعتبار استراتيجية الحرب على الإرهاب عقيدة وطنية او قومية ثابتة للجهاز السياسي والمخابراتي والعسكري والأمني الأميركي أي لكل الامة الأميركية. فاعادت اميركا بهذا التوجه العدواني العالم الى أجواء الحروب والانقسامات التي وصلت أخيرا الى بداية تفكك الاتحاد الأوروبي وصعود رئيس بشخصية مثل ترامب وزحف اليمين على مقاعد الوسط في فرنسا والنمسا والمانيا.
يتساءل العالم اليوم عن عقيدة الامركة والثمن الذي دفعته الشعوب لهذا الهاجس الذي استوطن الشخصية الأميركية منذ كريستوفر كولمبس الى دونالد ترامب.

عن ليث الشمري

شاهد أيضاً

مناعة لازمة لصد التزييف.. الشهداء ليسوا في عداد الموتى

لمى خاطر كلما عادَ جمهور بيئة ما إلى وعيه الفطري، وإلى إيمانه النقي بالأفكار ذات …

اترك تعليقاً