الرئيسية / أدب / أصول وأسباب دعاوى هجر لغة القرآن

أصول وأسباب دعاوى هجر لغة القرآن

مَروى  مُحمّد

عمدَ كثير من أدباء ودارسي اللغة العربية إلى الدفاع عنها ضد كل ناعق وكل خائض في قدسيتها ومكانتها، وإبراز ثمارها اليانعة وأشجارها الباسقة لكونها لغة مترعة بالألفاظ وغنيّة بالمترادفات. لكن بعضًا من المفكّرين والأدباء قد وجدوا نفحاتها لفحات فوصموها بالجمود والتحجّر وعابوا عليها الفاظها المتكلفة ومعانيها المستغلقة على الفهم المُطمرة بالمحسنات والاستعارات الثقيلة التي تحجبها عن العقل وتُثقل الفهم، لتُصبح لغة تحتاج إلى فهم بدلاً من أن تُعين عليه.
وكانت مشكلتهم الكبرى التي أثاروا غبارها هي عُجمة اللغة وصعوبة تعلمها من قبل أبنائها فضلاً عن غير الناطقين بها، ووجود لغة تُستعمل في حياتهم اليومية ومصالحهم العامة وأخرى خاصة بالتدوين يستعملها ثُلّة من المتعلمين، فكان هذا هو السبب الرئيس الذي دعاهم إلى تيسيرها وهجر الفاظها غير المأنوسة إلى أخرى مأنوسة وهي اللهجة العامية.
ويجمل بي الإشارة إلى أن ما سيُطرح هو قول لا يخلو من الغرابة ويدعو إلى الاستهجان والاستنكار، لكنه كان نتيجة حتمية للاستعمار وقتذاك، وثمرة عطبة متوقعة نتيجة الجهل والأميّة التي كانت تعمي أبصار عدد غفير من عامة الشعوب العربية.

جائزة مجمع اللغة العربية لتيسير الفصحى

تواترتْ دعوات تنافح العاميّة البسيطة وتستحسنها، وتستثقل الفصحى وتنشد هجرها. واستفحل الأمر مما دفع مجمع اللغة العربية بالقاهرة عام 1944 إلى وضع جائزة قدرها ألف جنيه تكون من نصيب صاحب أفضل اقتراح قابل للتطبيق لتيسير الكتابة بالعربية، وكانت جميع المقترحات كالقول الغث أُنكرت جميعها ولم يفلح أي منها مما اضطر المجمع إلى إلغاء الجائزة.

عبد العزيز فهمي

كان فهمي من هواة قراءة الشعر ونظمه، وأحد أعضاء مجمع اللغة العربية وقد تقدم باقتراح من شأنه تيسير اللغة إلى المجلس، لكنّه كان اقتراحا فيه شيء من الغرابة. فبعد أن آل إليه أمر اللغة واستقرت لديه فضائلها، سلّمها إلى يد الشتات فأوضح في مقترحه أنها لغة جامدة أعيت متحدثيها ودارسيها ووُضِعت أمامهم كعقبة في طريق العلم والتقدم. وكان من أهم مظاهر صعوبتها -على حد رأيه- حروفها وطريقة كتابتها وخلوّها من أحرف العلة والتي استعاض عنها الأولون بعلامات التشكيل كالضمة والكسرة ونحو ذلك لكنّه أوضح أنه لا فائدة منها لأنها في الأغلب تُهمل فيستعصى على القارئ في أحايين كثيرة ضبط النص وقراءته قراءة صحيحة فتختلط عليه أمور ويضل عن الفهم السليم والمعنى القويم. ولحل هذا الإشكال اقترح استبدال الحروف اللاتينية بالحروف العربية -فيما يُعرف الآن بالفرانكو- ولم يكن أوّل من دعا إلى الأمر هذا، لكنّه كان من المتحمسين له أشد الحماس فشحذ له هممه وبذل مجهودات كبيرة في صياغة فكرته وتطبيقها عمليًّا، وأرسى للأمر قواعد بيّنها في مقاله. واستعان بالتجربة التركية في تحويل أحرف لغتهم من العربية إلى اللاتينية كدليل على صواب رأيه وصدق مقترحه، مشيرًا إلى الصعوبات التي واجهتهم في بادىء الأمر وتقدمهم ولحاقهم بركب الحضارة بعد ذلك. وأضاف إن كان ما يحيل بيننا وبين التنفيذ هو أن أمهات الكتب والتراث مكتوبة بحروف عربية فيمكن إعادة نسخها بحروف لاتينية حتى لا يكون هناك فجوة بيننا وبينها وليتسنّى للأجيال القادمة الاطّلاع عليها. ضرب أعضاء المجلس بمقترحه عرض الحائط كما توقّع هو، وهاجموه هجومًا شديدًا ونقدوه نقدًا دقيقًا ورفُض المقترح نصًّا وموضوعًا.

أحمد لطفي السيد

كانَ لطفي من أقدم الدَّاعين إلى الكتابة العامية بدلا من الفصحى، وقد ذكر رأيه عام 1891 بمجلة (الموسوعة) واقترح بها تيسير اللغة العربية عن طريق إدخال الحركات في الكلمات كحروف ملحقة بها تدخل في بنيانها، فنكتب “مُحَمَّدٌ” مثلا “موحا مما دون”، ونكتب “ساعدون” بدلا من “سَعْدٌ”، لكن قراره رُفض بحجة الغرابة وعدم استئناس الصورة الجديدة وتغييرها من بنية الكلمات مما سيخلق فجوة بين القديم والحديث.

أحمد أمين

قدمَ أمين مقترحًا إلى مؤتمر المجمع عام 1951 تحت عنوان “اقتراح ببعض الإصلاح في متن اللغة”، هاجم فيه اللغة العربية وعلماءها متهمًا إياهم بالجمود والتعصب واقترح إصدار حكم الإعدام على ألفاظ اللغة المترادفة والمؤدِّية إلى المعنى نفسه ليُفسَح المجال أمام صك مصطلحات جديدة تناسب العصر الحديث وتفي بأغراضه، وشددّ على وجوب إماتة الألفاظ القديمة حتى لا تزداد اللغة تورمًا على تورمها، وأضاف أننا لسنا بحاجة إلى أن يكون للسيف نيف وخمسون اسمًا ، وللعسل ثمانون اسمًا مشيرًا إلى أهمية المترادفات في نظم الشعر وأن وحدة القافية تُلزم استخدام مترادفات، لذا أشار على الشعراء أن يهجروا عادة القافية الواحدة مزكيًّا تعدد القوافي.

سلامة موسى

كانَ سلامة موسى من زمرة المنفعلين بتمصير اللغة العربية ومن أشد الداعين إلى ذلك وقد أدرج رأيه هذا في كتاب “البلاغة العصرية واللغة الفصحى” وقد انتقده العقّاد فيما بعد كتابه هذا. والحق أن سلامة كان من المتأففين من الفصحى ونعتها بأنها لغة لا قوام لها ولا ركيزة متينة تقوم عليها، بل قامت على تسلية الأمراء ومدح الملوك، أصابها تضخم نتيجة لاستعاراتها ومحسناتها التي لا فائدة لها سوى الترف الذهني فقط، كما استهجن خلوّها من القضايا الفكريّة الكُبرى. وخلص من هذا كله إلى عدم أحقيتها في التدوين بها، ودعا إلى لغة ميسّرة تقترب من العامية أو هي كذلك.
كانت هذه بعض الآراء والمقترحات أومأنا إليها إيماءً عابرًا، ويمكن إجمال آرائهم في أنّه لا يصح بنا تقريظ الفصحى وإن كانت ترفل في ثوب البلاغة، لأن ثوبها هذا قد عرقلها عن المضيّ السريع وأبطأ خطاها، وكما أشرت سابقًا أن هذه الآراء كانت تتواتر ويعلو صوتها نتيجة الاستعمار والجهل، ولم تكد صيحاتهم تعلو حتى تتلاشى، وما زال تهذيب الألفاظ يزداد كلما دنا من الفصحى وابتعد عن العامية المُبتذلة.

عن ليث الشمري

شاهد أيضاً

وحدي أنا أكتب

علي حسين البياتي وحدي انا اكتبُ رثاء نفسي وحدي انا ابكي بدمعي واشجاني العتيقة لا …

اترك تعليقاً