الرئيسية / أفكار / آفاق جديدة للنظرية التربوية الإسلامية

آفاق جديدة للنظرية التربوية الإسلامية

يونس الصميدعي

تعدُ النقلات الكبرى في التاريخ بوجه من الوجوه ذات اس تربوي فالتعالق بين التربية والتطور واضح وسببي على مدار التاريخ تقريبا. فيمكن النظر بهذا الصدد للثورة السقراطية في الصراع مع السفسطائيين من زاوية تربوية هي التي ساعدت بعد ذلك على تخليق أسس الفلسفة اليونانية العقلانية الكبيرة “افلاطون وارسطو”. ومنذ الإصلاح البروتستانتي حتى التشكيك بايامنا هذه في صلاحية الدولة القومية لحضانة التقدم فان عامل التربية هو الذي يصب سببا ضمن أسباب او سببا رئيسيا في احداث تلك النقلات والاتجاهات الكبرى.
ليس بمقدورنا هنا ذكر او استيفاء كل الاثار التربوية وما ترتب عليها من اثار طبعت التاريخ بطابعها وما تزال حتى اليوم. لكننا نكتفي بنموذج واحد لقوة تاثيره واستمرار هذا التاثير على كل العالم تقريبا حتى اليوم. المقصود بذلك المنطق التربوي البرغماتي الذي تبنته فلسفة التربية الأميركية فاصبح بمثابوة دين الامة الأميركية كما يعبرون عنه. تعتقد البرغماتية ان الفكرة بحد ذاتها اية فكرة لا قيمة لها الا بما تقدمه من منفعة فالفكرة النافعة هي فكرة جيدة والفكرة غير النافعة ماديا ليست جيدة. ومعيار الفائدة تحدده ليست القيم او الاخلاق او الدين بل المنفعة. حيث تخضع جميع الأفكار لهذا المعيار الصارم الذي يصلح ان يكون مفتاحا لفهم الشخصية الأميركية.
على سبيل المثال فان فلاسفة البرغماتية أمثال وليم جيمس وجون ديوي يعتبرون ان “فكرة الله” نافعة اذا كانت تحصن الانسان ضد الاخلاق الرديئة وتزيد انتاجه في العمل وهي ليست حسنة اذا أدت الى تقليل إنتاجية العامل في المصانع والحقول. بمعنى اخر فانه لا استقلالية للذات الإلهية باعتبارها خالقا لهذا الكون ومدبرا له بل بمدة تاثير الفكرة على الانسان في نتاجه المادي وعلاقته بالتنظيمات الاقتصادية للدولة. لا اريد ان اتهم الفيلسوفين الذرائعيين جون ديوي ووليم جيمس بالالحاد لكنهما يعتبران الدين شانا شخصيا لا علاقة له بالنظم والقوانين الاجتماعية. وهذا التفكير مواز لتفكير اوروبي حول الدين واصل العالم منذ انفلات الإصلاحية البروتستانتية عن طريقها ووصل الفكر الأوروبي الى ما اطلق عليه “الدين الفردي” الذي استنه عمانوئيل كانط الذي يعتبره البعض الباب المفتوح على الالحاد بينما يعتبره بعض اخر حلا لمشكلات الانسان والدين في المجتمعات الاوروبية الموبوءة بالالحاد والشك. بسبب النزعة العلموية التي تدعي قدرة العلم على تفسير كل شيء دون الحاجة الى الدين وعموم الميتافيزيقيا.

-2-
هذه نظرة اجمالية على الاثار التي تتركها التربية وتلك التي تركتها بالفعل على المجتمعات والحضارات. وكلما امعنا النظر في هذا الموضوع نجد من الضروري ان نقف عند منعطف تجربة كونية كبيرة هي التجربة الإسلامية. فالحضارة التي يمكن ان نطلق عليها “ان جوهرها التربية” من غير أي لبس هي الحضارة الإسلامية. لن نقف عند الذي اودى بهذه الحضارة الى هذا المستوى المتدني من العطاء بعد عصور الازدهار فلذلك مقام اخر لكن الجلي والواضح ان شخصية النبي الاعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) وائمة الهدى (عليهم السلام) والخلفاء الراشدين وجيلا واسعا من الصحابة والتابعين كانوا شخصيات تربوية بكل ما تعنيه الكلمة. والوقائع على ذلك دالة ومؤكدة. منطقة القوة او نطاق القوة كما يسمى في التربية الإسلامية يتمثل بربطها العفوي والفطري والعقلي بين الغيب والشهادة بين الدنيا والاخرة وهي القوة التي لا تستطيع بقية الفلسفات الاعتماد عليها كركن ركين في بناء صرحه التربوي.
تجلت هذه الفلسفة التربوية حتى في اشد المواقف كراهة لدى عموم المسلمين عندما استخدم الحكام المتسلطون تلك الفلسفة العظيمة في التربية الإسلامية لصالح شهواتهم ومصالحهم واخص هنا بالذكر عن الكيفية التي تحولت بها حروب الفتح الإسلامي الى غزو ممنهج من اجل المال والنساء. وكذلك في التجربة الانكشارية عندما استغل العثمانيون هذا النطاق الإسلامي الدافع والعامل بالربط بين الغيب والشهادة لصالح بنائهم قوة عدوانية غاشمة باسم الدين وهي ابعد ما تكون عن ذلك.

-3-
في بداية عصر النهضة العربية الإسلامي ركز النهضويون المسلمون الكبار على دور التربية كعامل حاسم في عملية التحول من ارث الاستبداد السلطوي الى افق الحرية في نطاق منظومة القيم الإسلامية وهذه المنظومة التربوية في القديم كما في الجديد لا ترى تعارضا بين قيم الإسلام الكبرى وبين سعادة الانسان وحريته.
في حياتنا المعاصرة فان نطاق التربية الإسلامية وقدراتها مطروحة بقوة على الساحة الان بسبب ما يعانيه المسلمون وعموم العالم من طغيان النظرية المادية وقيمها على السلوك الإنساني واكراهاتها الانسان المعاصر على تبني قيم على الضد من الاسرة بعدها الخلية الأولى لتنشئة الانسان وموقف الانسان من المال والجنس والآخر وعموم النظرة الى حياة الانسان فلسفيا واجتماعيا. فوعود التربية الإسلامية تتميز بالواقعية ونظام صارم للعدل وإمكانية لفهم ظروف الفرد والجماعة في مراحل اليسر والعسركما اثبتت التجارب ذلك والتي لا يبرز منها في الاعلام والتربية الحديثة سوى المواقف السيئة بحجة “سلف الامة وتراثها” وهي مردودة وليست عقلانية ولا تمثل برايي موقف الإسلام من الانسان والزمن والعلاقة بينهما.

عن ليث الشمري

شاهد أيضاً

مناعة لازمة لصد التزييف.. الشهداء ليسوا في عداد الموتى

لمى خاطر كلما عادَ جمهور بيئة ما إلى وعيه الفطري، وإلى إيمانه النقي بالأفكار ذات …

اترك تعليقاً