الرئيسية / قراءة و كتابة / تعالوا نشتري روائياً !

تعالوا نشتري روائياً !

جميل فتحي

أواخرُ الثمانينيات، أطلّ الناقد المصري لويس عوض واجم الوجه على إحدى القنوات التلفزيونية في حوار مثير عن واقع الأدب العربي. لكنّه ختم الحوار قائلا: أنقذوا ما تبقى من شرف النقد العربي. اقتبست هذه المقولة وأنا اطالع نتائج كبرى المسابقات العالمية في السرد علّني أجد اسما لرواية عربية. فهل قدر السرد العربي أن يظلّ رهين الجغرافيا العربية ولا يحلّق في سماء العالمية. وأذكر بالمناسبة أنّه بتاريخ 19 مايو 2015، انعقدت في العاصمة القطرية الدوحة ندوة فكرية على هامش مسابقة كتارا للرواية العربية تحت عنوان (آفاق التجريب في الرواية)، وقد تمّ تناول إشكالية قصور الرواية العربية في قرع أبواب العالمية.
الكاتب والإعلامي سامي كليب قال في معرض حديثه عن تهميش الرواية العربية: تقول بعض الإحصاءات العربية :إن كتب الأبراج والطبخ تباع أكثر بعشرات المرات من أفضل رواية عربية وتفيد الإحصاءات الغربية بأن رواية دافنشي كود مثلا باعت ما يقارب المائة مليون نسخة. أين المشكلة إذن؟ هل تعجز الرواية العربية عن مجاراة هموم شعوبها أم أن الشعوب المهمومة بلقمة عيشها تعتبر الرواية ترفا؟ وهل بات رواج رواية يفترض أن يجلد الروائي مجتمعه ودينه وتقاليده وتراثه لكي يبيع؟ أو ليست أبسط الروايات وأقربها إلى الناس أجملها؟ لقد كان نجيب محفوظ ينزل إلى خان الخليلي يجالس الناس البسطاء ويصنع قصصهم فيبدع، فمن وضع روائيي اليوم في أبراج عاجية ينحتون من اللغة لقارئ قد لا يفقه من هذه اللغة إلا القليل؟ ما حصل مع الرواية لم يحصل مع الشعر لحسن حظّه، فقد تطور الشعر على يد شباب الجيل الذي قرأ لحافظ وشوقي واسماعيل صبري والبياتي والسياب ودرويش.
قد يكون لديك حق في الحقيقة، يبدو أن قصور القلم الروائي على مجاراة النسق العالمي وليد أمور عديدة تبدأ من الروائي نفسه وصولا إلى عدّة عوامل خارجية كالاستبداد السياسي والرقابة الأخلاقية والحدود الاجتماعية الخ… ولكنني أعتقد جازما أن افتتان الروائيين العرب بنظرائهم الغربيين، كان سببه الجوهري تقدمهم التكنولوجي والعلمي، وهذا لم يقتصر على الجانب الصناعي فحسب بل تمادى ليشمل البعد الحضاري والأدبي. فنتج عنه مدارس روائية كبرى كالمدرسة الروسية والفرنسية والإنجليزية الخ… فروح الإبداع بالكاد تحضر في جل الروايات العربية التي كان أساسها ترف لفظي مقابل امساك فنّي. ناهيك أنّ إرادة الكاتب بالكاد تطفو على سطح الخلق الأدبي.
يقول الناقد والباحث المغربي سعيد يقطين في كتابه السرديات والتحليل السردي: “بعد أن أثمر الاحتكاك مع الغرب فرصة ثمينة للخروج من قوقعة التخلف، وجد العرب أنفسهم يعودون إلى نقطة البداية عقب تعثر محاولات الاستفادة مما حققه الغرب في مجال الدراسات الأدبية. فقد ربط يقطين بين الانفتاح والفشل في النهوض بالمدونة الروائية العربية وهذا مردّه إلى عدّة أسباب لعلّ أهمها عجز اللغة الروائية على مواكبة التطور الذي يتيح للأدب أن يزدهر، بل إن اتجاهه كان في غير صالح الثقافة العربية في كثير من الأحيان، ومن ثم كان الواقع السياسي شريكا في الجريمة حيث عمد إلى تشتيت المثقّف والروائي وتوجيه البعد الأدبي نحو طريق مسدود على العموم، مما خنق كل المواهب الأدبية التي لا تملك وسائل التعبير بلغتها القومية والفنية، ولا تتجاوب هذه المواهب مع اللغة الروائية التي أتقنها أو تعرف عليها الشباب الذي كان بإمكانه أن يتعلم منها.
ثم إن توجيه الرواية العربية كان يهدف إلى أن يجعل من الأدب وسيلة لإخراج مجموعة من الكتبة لا تكوين مثقفين والنهوض بهم كواجهة تنير النسيج المجتمعي كنخب الدول المتقدمة. فما حصل مع الرواية لم يحصل مع الشعر لحسن حظّه، فقد تطور الشعر على يد شباب الجيل الذي قرأ لحافظ وشوقي واسماعيل صبري والبياتي والسياب ودرويش الخ… وداخلته الروح الوطنية والقومية خاصة في مقاومة فترة الاحتلال، وأصبح الطابع التقليدي في الشعر ممزوجا بالطابع العصري. ولم يضق عطنه بهذا المزج، وتطور أيضا أسلوبه بتطور ثقافة منتجيه، وكان طبيعيا أن يصبح مظهرا لهذه الثقافة المحدودة وللمثل الساذجة في الشعر.
في الختام، تبقى الرواية العربية تنشد ركب العالمية على الرغم من العراقيل العديدة التي تواجهها داخليا وخارجيا. ولكننا نطرح في نهاية هذا المقال السؤال التالي بعيدا عن نظرية المؤامرة: هل فعلا لم تتعرض الرواية العربية لتآمر خارجي؟

عن ليث الشمري

شاهد أيضاً

كلما اتسعت الرؤيا ضاقت العبارة.. تحولات الكتابة الابداعية

احمد وديع العبسي فنُ الكتابة فن معقد جداً، والكتاب المبدعون يعلمون جيداً أن الكلمات أقدس …

اترك تعليقاً