الرئيسية / تقارير و أستطلاعات / أدبـــاء ساهموا في رسم خرائط النجـــاح الصحفــي

أدبـــاء ساهموا في رسم خرائط النجـــاح الصحفــي

عبد اللطيف  الطالب

للأدباءِ والكتاب دور مهم في تطور الصحافة العربية في المشرق والمغرب، وإسهامات كبيرة لتصل إلى ما وصلت إليه اليوم، سواء على مستوى اللغة أو تقنيات التحرير أو دورها كسلطة رابعة أثرت في المجتمع منذ القرن التاسع عشر.
فاللغة أبرز عنصر يجمع الأديب والصحفي، من دونها لا يمكن لرسالة فكرية أو صحفية أن تصل إلى المتلقي، ما يعني أن نقط التلاقي كثيرة. كما للصحافة فضل حين احتضنت الأدب والأدباء الذين قدموا إنتاجهم لكل الناس بعدما كان نخبوياً.
بعض الأدباء شبهوا الكتابة الصحفية بالأدب ووصفوه بالعاجل، نظراً لما يتميز به من خصائص، (إن النثر الصحفي يقف في منتصف الطريق بين النثر الفني، أي لغة الأدب، وبين النثر العادي، أي لغة التخاطب اليومي، له من النثر العادي ألفته وسهولته وشعبيته، وله من الأدب حظه من التفكير، وحظه من عذوبة التعبير، ولعله انطلاقاً من ذلك المفهوم للنثر العلمي، أطلق بعض أساتذة الصحافة على لغة الصحافة، بأنها الأدب العاجل).
وكما وشم الأدباء العرب ذاكرة الأدب، بصموا أيضاً لتاريخ الصحافة من بابها الواسع، بل صعب أحياناً التفريق بين هوية المبدع إن كان أديباً أو صحفياً لدرجة التلازم. حتى قيل عبارة مشهورة: (كل أديب صحفي، وليس كل صحفي بأديب). و(تبرز هذه الحقيقة على نحو أكثر وضوحاً في تاريخ الصحافة العربية وخاصة في البدايات الأولى في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، مع بوادر ظهور مشروع النهضة العربية الإسلامية. ولم يعد يبدو من قبيل المبالغة الرأي القائل: إن الصحافة العربية نشأت في محراب الأدب والفكر، واستمدت من هذا المحراب مقومات وجودها.
علاقة الأدب بالصحافة كانت منذ تاريخ بداية الصحافة العربية، أي منذ إصدار (الحوادث اليومية) و(الوقائع المصرية)، حين أشرف عليها الأديب رفاعة الطهطاوي. وسواء في القرنين التاسع عشر أو العشرين، فإن تفوق الأدباء كان بارزاً في مرحلة بناء الصحافة العربية واستمرارها. نتحدث هنا عن أدباء مارسوا الصحافة اليومية بتجلياتها، قوتها وإكراهاتها، فاشتغلوا في العمل الصحفي اليومي إخباراً وتوجيهاً للمتلقي، دون الحديث عن الأدباء الذين اشتغلوا في الصحافة الأدبية المتخصصة.
من الأسماء التي بنت لمجد الصحافة العربية أحمد فارس الشدياق من لبنان، واكب منذ القرن التاسع عشر بدايات الصحافة، فأصدر صحيفة (الجوائب) سنة 1881م في إسطنبول بتركيا. كان مثقفاً جاب الكثير من الدول، مثل مصر حيث عمل في صحيفة (الوقائع المصرية) التي أنشأها محمد علي باشا. وكانت له مساهمة كبيرة في تطوير لغة الصحافة التي تتميز أساساً بالمباشرة والابتعاد عن الجمل البلاغية والبديعية. أصدر كذلك عمله الأدبي (الساق على الساق فيما هو الفارياق). وهو الصحفي الذي استعمل لفظ (صحيفة) حتى شاعت لدى الناس.
من لبنان أيضاً جُرجي زيدان، أديب أصدر مجلة (الهلال) التي ترأس تحريرها سنة 1892، وذاع صيتها فصارت منبراً مهماً لكثير من أدباء تلك المرحلة، وترأس تحريرها بعده مجموعة من الأدباء والكتاب كأحمد زكي. كما أدار مجلة (المقتطف) لمدة معينة. واشتهرزيدان برواياته التاريخية مثل: عذراء قريش، استبداد المماليك، شجرة الدر.
في مصر كان أحمد حسن الزيات من كبار رجال النهضة الثقافية، ترك التدريس وانتقل للصحافة والتأليف. في 1933 م أصدر مجلة (الرسالة) وصارت منبراً ذا تأثير كبير على الحركة الثقافية الأدبية في مصر، بل كانت مدرسة أدبية ومجالاً برز فيه كتاب وشعراء من الجيل الجديد. بعدها أصدر الزيات مجلة (الرواية) اختصت بالقصة القصيرة والرواية، كتب فيها حينئذ الأديب نجيب محفوظ. امتاز أسلوب الزيات بروعة البيان، وأولى اللفظ والجملة وإيقاعها عناية كثيرة، فعمد إلى السجع من وقت لآخر دون تكلف. من إصداراته الأدبية المعروفة: تاريخ الأدب العربي الإسلامي، في أصول الأدب. كما جمع مجموعة من مقالاته الصحفية في كتاب: وحي الرسالة.
في القرن العشرين ازداد ارتباط الأدب بالصحافة، من خلال أسماء كثيرة راكمت تجارب صحفية مهمة. من بينها عميد الأدب العربي طه حسين، اسم كبير في دنيا الأدب بما قدمه من أعمال مثل الأدب الجاهلي، دعاء الكروان، الأيام. فكان له أثر أيضاً في دنيا الصحافة، إذ سهر على تحرير (كوكب الشرق) و(صحيفة الوادي) وأشرف على رئاسة تحرير (الجمهورية).
إضافة إلى طه حسين نجد إبراهيم عبدالقادر المازني الشاعر والناقد وأحد كبار الكتاب في عصره، عرف بأسلوبه الساخر في الكتابة الأدبية والشعر. اعتزل التدريس وعمل في الصحافة حتى يكتب بحرية، في البداية بصحيفة (الأخبار) مع أمين الرافعي، ثم محرراً بصحيفة (السياسة الأسبوعية)، فصحيفة (البلاغ) مع عبدالقادر حمزة. كما انتشرت كتاباته في العديد من المجلات والصحف. عرف عن المازني براعته في اللغة الإنجليزية والترجمة منها إلى العربية فقام بترجمة العديد من الأشعار إلى اللغة العربية. من أعماله: روايتا إبراهيم الكاتب وإبراهيم الثاني، أحاديث المازني، حصاد الهشيم، خيوط العنكبوت، ديوان المازني، رحلة الحجاز، صندوق الدنيا، عود على بدء.
وللأديب عباس محمود العقاد حضور كبير أيضاً، أسس مع إبراهيم المازني وعبدالرحمن شكري (مدرسة الديوان)، وكانت مدرسة تنتصر للتجديد في الشعر والخروج به عن القالب التقليدي. لم ينل العقاد من التعليم حظاً كبيراً، واشتغل في عدة مهن حتى استقر في مجال الكتابة والصحافة، فقد كان مولعاً بالقراءة في مختلف المجالات، وأنفق معظم ماله على شراء الكتب. اشترك مع محمد فريد وجدي في إصدار صحيفة (الدستور). من إصداراته الغزيرة:خلاصة اليومية والشذور، الإنسان الثاني، ساعات بين الكتب، ديوان يقظة الصباح، ديوان أشجان الليل، عبقريات: عبقرية محمد، عبقرية عمر. في فلسطين يظهر اسم غسان كنفاني روائياً وصحفياً، صاحب الأعمال المعروفة مثل: عائد إلى حيفا، رجال في الشمس، ما تبقى لكم. رغم عمره القصير فقد قدم للساحة الأدبية العربية وللصحافة الشيء الكثير، وذلك في عز الاحتلال والهجرة والبحث عن الذات والهوية. انتقل إلى بيروت للعمل في مجلة (الحرية) سنة 1961 مسؤولاً عن القسم الثقافي فيها، ثم أصبح رئيس تحرير صحيفة (المحرر) اللبنانية، واشتغل بعدها في صحيفة (الأنوار). وحين تأسست الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين عام 1967 قام بتأسيس مجلة ناطقة باسمها هي (مجلة الهدف) وترأس تحريرها. دون أن ننسى أنه نال جائزة منظمة الصحفيين العالمية في 1974.
في مصر أيضاً بدأ يوسف السباعي مساره العملي أستاذاً بالكلية الحربية، لكن رغم تكوينه العسكري كانت له ميولات كبيرة تجاه الأدب والكتابة بصفة عامة، فنشر الكثير من كتاباته منذ كان تلميذاً في منابر المدرسة، ثم طالباً وأستاذاً في المنابر الإعلامية المصرية. عين إثرها عضواً بمجلس إدارة (روز اليوسف) ورأس مجلسها عام 1961. كما رأس تحرير مجلة (آخر ساعة)، ثم رئيساً لمجلس إدارة (دار الهلال)، ورئيساً للمجلس الأعلى (لاتحاد الإذاعة والتليفزيون). كما عمل رئيساً لتحرير (الأهرام) ورئيساً لمجلس إدارتها.
بالمغرب يعتبر عبدالكريم غلاب من الأسماء اللامعة في الأدب، بتجربته الكبيرة أدباً وصحافة، ترأس تحرير مجلة (رسالة المغرب) الثقافية سنة 1949، كما اشتغل محرراً في صحيفة (العلم) اليومية، وهي من أعرق الصحف المغربية التي ناضل صحفيوها ضد الاحتلال الفرنسي. وترأس غلاب تحرير العلم ثم صار مديراً لها حتى يوليو 2004، في مدة قاربت نصف قرن من الكتابة الصحفية. عبدالكريم غلاب نال الكثير من الجوائز الأدبية بفضل إنتاجاته الغزيرة أشهرها: دفنا الماضي، المعلم علي.
من جانبه الروائي إحسان عبدالقدوس بصم في مساره ومسار الصحافة العربية، ابن السيدة روز اليوسف اللبنانية المولد وتركية الأصل التي أسست مجلة (روز اليوسف) ومجلة (صباح الخير). تولى إحسان رئاسة تحرير (روز اليوسف) وهو في السادسة والعشرين، لكن لم يدم فيها طويلاً، ليشغل بعدها رئاسة تحرير صحيفة (أخبار اليوم). عرفت كتاباته الأدبية بالجرأة في عصره فأصدر العديد من القصص والروايات التي ترجمت الكثير منها إلى أفلام سينمائية وتلفزيونية ذائعة الصيت. مثل: لن أعيش في جلباب أبي، النظارة السوداء، الرصاصة لا تزال في جيبي.
في أواخر القرن العشرين وبداية الألفية الثالثة ظهرت الكثير من الأسماء العربية وتألقت في الأدب والصحافة معاً، مثل أمين معلوف، جمانة مراد، ياسين عدنان وغيرهم. الأمر نفسه في الأدب العالمي، حين زاوج كتاب كبار بينهم والصحافة، مثل جابرييل كارسيا ماركيز، ارنست ايمنجواي وألبير كامو وغيرهم. فثمة روابط وقواسم مشتركة عديدة تربط الأدب بالصحافة وستستمر إلى ما لا نهاية، فالصحافة ستظل كذلك منبعاً ومدرسة لتكوين الكثير من الأسماء الجديدة في عالم الأدب العربي.

عن ليث الشمري

شاهد أيضاً

د. الخزاعي : لا يوجــد في الأرض تـراب يؤخــذ مــن أرض إلى أخرى ليكون مسجداً سوى تراب الحسين

أستهل الدكتور الخزاعي فعاليات الموسم الثقافي لمؤسسة المنتدى بصفحته الثانية في محاضرة بعنوان (الكتلة التاريخية- …

اترك تعليقاً