الرئيسية / أفكار / مصائر المراجعات النقدية ومستقبل الدول

مصائر المراجعات النقدية ومستقبل الدول

د. جبار الساعدي

كلما نتجاذبُ اطراف الحديث كتابة وشفاها حول لفظ المراجعات يقفز الى ذهني الكتاب الشهير الذي جمع مداولات مثقفة وغنية بين شيخ الازهر والعالم المشهور عبد الحسين شرف الدين العاملي. فقد كان حوارا علميا مهنيا مؤصلا ومن الناحية الأخرى فان اخلاقيات البحث لم تطغَ على اخلاقيات الوحدة الإسلامية كغاية حقيقية للعلماء المخلصين. وذلك قبل ان تتلوث مدن الامة الإسلامية والعربية بلوثة الوهابية التي استفحلت بعد سقوط المشروع الوطني والقومي واليساري والليبرالي.. الخ. ورغم أوجه السلب والقصور في هذه المشاريع التي عددناها الا انها لا ترقى الى جرائم الوهابية التي غزت الدول والشعوب والأفكار بعدها لقيطا سفاحيا بين التوسع الامبريالي وحكم شيوخ اسرة تنتمي في الأصل الى بقايا يهود بني القينقاع وهي اسرة ال سعود. كتاب المراجعات بالمناسبة هو اليوم محل انكار من بعض علماء السلفية الذين جن جنونهم عندما يتكلموا عن وهمية السيد البشري كرئيس للازهر وانه اختلاق “شيعي” وهذه تمثل اعلى مراحل الخبل الجنون الطائفيين ففي اية فرصة او مناسبة يمكن للإنسان ان يدخل على مواقع الانترنت بسهولة ليكتب او يختار عبارة او مفتاح “زعماء الازهر”.
هذه المقدمة شبه الطويلة عن كتاب المراجعات واشخاصه “شرف الدين والبشري” تقودني الى ما يمكن اعتباره مالات وحدود المشاريع النقدية التي تناولت:
1- العقل العربي والإسلامي.
2- شلل الدولة الحديثة.
3- اجهاض مشروع حداثة عربية إسلامية.
4- الاستقلال السياسي للكيانات والدول.
5- إزالة التعارض بين الفردية والجماعية وهي قضية مهمة وليست كما تبدو أحيانا صغيرة تبحث عن معان واضحة للفروق بين الجماعية والفردية مجمل الإجابة عن هذه الأسئلة وغيرها يمكن ان تمثل او تكون اطارا لصورة غير واضحة ومشوشة لهذه الدول والبلدان التي تفتقر الى نظرة او رؤية للدولة ووظائفها وضمن هذه الوظائف شكل علاقة الدولة بمجتمعها وكيف يتصرف المثقفون والعلماء المختلفون او المتفقون على اساسيات هذه الدولة وعملها وكيف يحددون أفكار وخطط المستقبل حتى لا تقع دولهم وكياناتهم صريعة ومخذولة بلا قيمة او قوة تسند ظهرها من الوقوع في حفر التاريخ ومن الحروب الاهلية الى النهب المنظم للثروات الى بيع الاستقلال السياسي والاقتصادي بثمن بخس وهذه كلها عورات وشنئات اصابت قلب الكيانات العربية الحديثة فاقعدتها عن العمل وشلت قدراتها عن الاستمرار وقطعت اجزاءها عن التراكم.
اذا كانت الامال او الاحلام التي تداعب خيالات الانسان حول نهضة عربية إسلامية مستانفة بهذا القدر من الاتساع والجدية فان مشاريع الإصلاح الجديدة التي تلت مشاريع النهضة الأولى تبدو محدودة القدرة على فتح ثغرات مهمة في الجسد السياسي المتكلس حول الاستبداد والقهر والفرقة الطائفية والمذهبية والاثنية. وبسبب ذلك فان أية مقاربة لجهود النخبة المثقفة العربية الإسلامية في نصف القرن الأخير الذي تمتد سنواته للقرن الحادي والعشرين تبدو بسيطة وليست قابلة لحفر وتفكيك العقد المستعصية في الثقافة ثم في اقانيم الفكر العربي والإسلامي حول الحريات الشخصية وحقوق الانسان المسلم وانشاء محكمة عدل إسلامية وتعديل النظرة الى فكرة المواطنة واعتبارها أصلا او قاعدة للحقوق المدنية بحيث يعيش الجميع في هذه الدولة الإسلامية متساوين بفرص العمل والحصول على الثروة والتمتع بالحرية وهي كلها دون قيد او شرط من ضمن المبادئ الكبرى والكليات العامة للشريعة والعقيدة في الإسلام.
لكن ما علا هذه الكليات من خبث وسرقة وتعطيل واستبداد سياسي جعلها وكانها ليست بهذا المستوى المامول على الدين الإسلامي ان يقيم صرح حضارة تبدو صعبة على قدراته بالنسبة لهؤلاء الفاشلين وكيف انهم يزنوا معمار الإسلام الحالي بمعيار القدرات الغربية فيعتبرون الفارق هائلا ونوعيا ويرتبط بمنظومة الغرب “الليبرالية” بحيث لا يصلح ان يقام نفس النظام وافضل منه في بلاد المسلمين.
اذا تجاوزنا النموذج الناجح الماليزي والإيراني والتركي والاندونيسي وهي دول إسلامية تبقى المجموعة العربية وحدها فقيرة ويتيمة ومتعثرة وسبب ذلك كما هو معروف الان الاستبداد السياسي الذي اثر على الثقافة والمثقفين بدرجة مخزية حتى أعاد هؤلاء المثقفون انتاج الطغيان والتحكم في الناس بين حروفهم وكتاباتهم وكانهم ينظرون ويسوغون هذا الطغيان والعسف كنمط حياة غير قادر على مفارقة الروح العربي والعقل العربي.
ان وصفنا للمثقفين باعتبارهم أدوات للسلطة الحاكمة لا يعني تصاغرهم الى درجة العمالة الكلاسيكية وهي المعروفة بالتراث العربي بالادب السلطاني المتزلف للحاكم والذي يسوغ له كل ما يفعله امام نفسه والناس. لكني اقصد جانبا قد يكون اكثر خطرا من ذلك وتمثل في مشروع محمد عابد الجابري الذي كان يبحث عن امة قومية عربية لا تعاني من عقدة العلمانية كما يقول فقدم بدائل تخص الهستيريا الطائفية التي سكنت ضميره عندما اعتبر الوهابية حركة إصلاحية وايد صدام المقبور في حروبه وحاول ان يجهز على التاريخ الإسلامي الشيعي بعلومه وعقلانيته وعقائديته عندما اعتبره تراثا غنوصيا واشراقيا لا ينتمي الى نظم المعرفة الأخرى “البيانية والبرهانية” للامة الإسلامية وهذا الراي كما هو واضح خنجر مسموم من عدو وليس من مسلم او مثقف حتى من غير المسلمين لانه واضح الدلالة على حقد طائفي ينضح من ثنايا الكلمات والأفكار.
ان المال المتهاوي لمشاريع النقد الحديث قد تسببت بها العديد من عوامل النخر والسوس وهي ما تزال اليوم بعد الوصول الى هذا المازق وهو يتحكم بكل مخرجات الشعوب العربية والإسلامية بحاجة الى مناقشة افقية وعمودية واسعة ومكثفة لانه بدا يتحول الى مازق بنيوي في ظل تغير شروط واساسيات الصراع الكوني.

عن ليث الشمري

شاهد أيضاً

مناعة لازمة لصد التزييف.. الشهداء ليسوا في عداد الموتى

لمى خاطر كلما عادَ جمهور بيئة ما إلى وعيه الفطري، وإلى إيمانه النقي بالأفكار ذات …

اترك تعليقاً