الرئيسية / الصفحة الأولى / المفكرون الأحرار بوجه الجهالة والطغيــان

المفكرون الأحرار بوجه الجهالة والطغيــان

1

د . خضير الخزاعي 

 

يظلُ الفكر دائماً وابداً يدفع ضرائب تساميه على ايدي مَنْ لا يرقى لفهم معطياته وهضم مقولاته ودلالاته ومراميه، كما يظل المفكرون قرابين تألقهم الفكري والتماعهم الذهني حينما يحتكون بالجهلة والمغفلين ويزداد وضعهم سوءا حينما يكون اولئك الجهلة من اصحاب الحول والطول والصولجان والسلطان لأن الجهل والعلم نقيضان لا يجتمعان، ولذلك سعت العقلية الخرافية لقتل “غاليليو” مثلما قتلت من قبله سقراط بكأس السم المشهور، وظلت طاحونة القهر تطحن أمثالهم من اساطين الفكر والعلم والفلسفة وحتى وقت قريب، لتبقى حرية الرأي تترنح تحت ضربات الجهل والتسلط في أغلب الأماكن والازمان والبلدان، كل ذلك يجري، والكثير من العقلاء يدركون أن سيادة الفكر تمثل دعماً هائلاً للمجتمعات واثرائها وان اطلاق العنان لابداعات المفكرين من شأنه ايجاد عملية التغيير والبناء التي تطال وتنفع الجميع بما فيهم اولئك المتحسسون منها والمرعوبون من تأثيراتها والمتوجسون من عطاءاتها، الامر الذي يحتاج الى وقفة مسؤولة للبحث عن حلول جادة لانهاء حالة الطلاق بين الفكر والمفكرين من جهة وبين خصومه وخصومهم، وخاصة اصحاب القوة من جهة اخرى، لان ديمومة حالة الريبة والشك بينهما سوف تُخسِرُ الجميع ثمار التلاقي المنتج البناء وتعرّض الحياة كلها الى خسارة جهود المبدعين والمفكرين الذين سوف يواجهون مسارات سيئة احلاها مرّ.
فأما العزلة والغياب وإما الابادة والتغييب، وإما التخلي عن الابداع والتوقف عن التفكير الذي يضيق به ذرعا مَنْ لا يجيد التعاطي معه من الاقوياء والمقتدرين، وذلك ما لاقاه أرسطو وغاليليو تغييباً أو ما مني به ديكارت- وهو ابو الفلسفة الحديثة- من ممالأة ومداهنة وتخلٍ عن قناعاته يوم قال مرعوباً وهو يردد: “أني اطيع قوانين بلادي واستمسك بدين آبائي واستهدي بأحكم مَنْ أتصل بهم من الناس”، ولينتهي بـــــه الحال الى غربة في هولندا بعيداً عن بلده فرنسا التي ضاقت بوجوده فاضطر لهجرتها هرباً من ضرائب ابداعه بعيداً عن مضايقات الحكام ورجال الدين آنذاك، رافعاً بذلك شعاراً مؤلماً وهو يتبنى حكمة لابيقور “السعيد من عاش متخفياً”، وجسد ذلك الشعار ليس فقط من خلال غربته عن وطنه وانما بالغ الى حد إخفاء مكان اقامته حتى عن معارفه والمقربين منه. وأكثر من ذلك فقد اغلق ديكارت مكتبه على بحوثه في علم الضوء لأن لاظهار العلم آنذاك ضريبة وهي تذكرنا بقول الشاعر العربي:
ولما رأيت الجهل في الناس قد فشى
تجاهلت حتى ظنّ اني جاهل
وكأن ديكارت بأخفاء نفسه وعلومه يريد أن يحفظ حياته بعد أن رأى كيف نكّس غاليليو رأسه امام محكمة التفتيش وبعد أن أرّقه اعلان الحرب على كوبرنيكوس كما لم ينتهِ مسلسل العذابات بسجن الفيلسوف الايطالي جوردانو برونو ثماني سنوات ليعدم بعدها حرقاً بأمر من محكمة تفتيش روما.
ولم تكن عملية غياب ديكارت واختفائه الأولى ولا الأخيرة في غربة العظماء، وانما اختار ارسطو قبله بقرون المنفى بعدما أستشعرَ نيّة الأنقلابيين المقدونيين لاعتقاله وأضطهاده، ليقول عندها في تبرير غربته واختياره المنفى: “لكي لا أوفـّر لأثينا فرصة ثانية لتخطئ في حق الفلاسفة”، مشيراً الى قتل سقراط عندما اختار الموت بالسمّ بعدما أدين بتهمتين: الأولى أنه لا يعبد آلهة المدينة والثانية تضليل الشباب”.
النكته المبكية هنا أن خصمه في الدعوى تاجر جلود يدعى “انيتس” كان يحقد على سقراط لانه نصح ابنه بالانصراف عن دبغ الجلود الى التخصص بالفلسفة فالقي القبض على سقراط وحوكم وطولب باعدامه. فتجرع كأس السم في سجنه وآخر كلماته عن العالم الآخر ظلت خالدة وهويخاطب اصحابه: “هناك ايها الاصحاب لا يقتل انسان من أجل عقائده فابتهجوا اذن واستبشروا ولا تأسوا على فراقي وقولوا حين تودعوني القبر: انكم انما دفنتم جسدي لا روحي”، وصدق سقراط فقد خلد، فيما انتهى الطغاة الجهلة فلا ذكر لهم ولا قصور ولا حتى قبور.
نسخ من هذه الغربة تتكرر كل زمان وفي كل مكان مازال هناك مبدعون عظماء وجهلة أقوياء، وتاريخنا الإسلامي رغم عظمة حضارته حافل بامثال هذه الفواجع واحدة من اوجعها واكثرها ايلاماً غربة علي بن ابي طالب (عليه السلام) حينما انتصب قائلاً ليبدد الجهل بثقة : سلوني قبل ان تفقدوني، فيأتيه الجواب من بدوي جلف غليظ الطباع لم يقدّر عظمة عليّ (ع) حق قدرها ليسأله ساخراً:
كم طاقة من الشعر في رأسي ولحيتي؟!.
ولذلك يصف علي غربته حينما يضع يده على صدره فيقول: أن ها هنا لعلماً جماً لو كان له وعاء . ولم يكتفِ الجهلة بغربة علي (ع) وانما أصدروا بحقه فتوى بكفره ثم قاتلوه وقتلوه. ليشهدوا بذلك على أن علياً كان غريباً في غربته كما كان غريباً في غرابته، الغريب الآخر علوي آخر لكنه لم يكن الاخير أنه البهلول (أبو وهيب بن عمر الصيرفي) الذي اختار الغربة القاتلة يوم ارتضى لنفسه ان يمثل دور المجنون طيلة حياته وهو أعقل عقلاء عصره لكن الجهلة الاقوياء ما كانوا ليستوعبوا عظيم افكاره، فاختار الغربة في أمّر حالاتها بأن يتظاهر بالجنون الذي لم يحفظ له حياته بعد أن انكشف أمر انتمائه، فقدم نفسه قرباناً على مذبح عقيدته والمبادئ.
وما اشبه الليلة بالبارحة، فما اكثر العظماء الغرباء وما ابشع الجهلة ، وحاضرنا شاهد على أكبر جريمة يقترفها جاهل قوي أحمق اسمه صدام حسين في قتله نابغة الدهر ومفكر الأمة الشهيد السعيد محمد باقر الصدر، لأنه لا يطيق وجوده، وعزاؤنا في ذلك قول الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) طوبى للغرباء.
ولقد صدق الامام الصادق (عليه السلام) حينما وصف ضريبة الوعي بقوله: “أن أمرنا صعب مستعصب لا يحتمله إلا نبي مرسل أو ملك مقرّب أو مؤمن امتحن الله قلبه للايمان”.

عن Admin

شاهد أيضاً

روح النبوّة الزهـــراء.. نداءُ الفداء لتُحفة السماء

انطلقتْ فعّاليات مهرجان روح النبوّة الثقافيّ السنويّ العالميّ، الذي تُقيمه شعبةُ مدارس الكفيل الدينيّة النسويّة …

اترك تعليقاً