الرئيسية / منارات / الحيـاة السريـــة للأشجــار ؟

الحيـاة السريـــة للأشجــار ؟

الغابةُ ليست فقط رئة كوكبنا الأرض وليست فقط هذا المكان الساحر الذي نذهب إليه للاستجمام والراحة. لكنها أكثر من ذلك بكثير. حين تذهب للغابة في المرة المقبلة وأنت تخطو خطوتك الأولى داخلها حاول أن تطلق العنان لحواسك. كما يقول جبران خليل جبران: الأشجار أشعار تكتبها الأرض في السماء نحن نقطعها ونحيلها ورقا نضمنه حماقاتنا. حاول أن تقرأ هذه الأشعار الكونية تنفس بعمق أصغ جيدا.. استعمل حاسة الشم عندك.. هل ترى الحياة الخفية للأشجار؟ هل تشم حواراتها؟
الغابة مسرح عظيم للكثير من الظواهر الاجتماعية الذكية وما يحدث في باطنه أعمق مما يرى على سطحه.. هذه الكائنات الحية المذهلة لديها الكثير لتعلمه لنا كبشر وكمجتمعات. التواصل، التعايش، الشفاء، التعلم، الحياة. هل حقا تتواصل الأشجار فيما بينها؟ لما قد تفعل ذلك؟ وكيف يتم هذا التواصل؟ الحياة السرية للأشجار أبهرت الكثير من العلماء مؤخرا وقد توصلوا لمعرفة بعض الحقائق المهمة عن حياة الأشجار كمجتمعات وكأفراد.
رجل الغابة بيتر فولبير الألماني الذي كان مسؤولا عن غابات الإيفل بألمانيا لم يعر الأمر أهمية في البداية لكنه ذات يوم وهو يتجول في الغابة كعادته سائر الأيام لاحظ صخورا غريبة الشكل فاقترب منها وإذا بها ليست صخورا بل جذع شجرة ضخمة مبتور حاول تحريكه فإذا هو منغرس في الأرض اضطر بيتر أن يخدشه بسكينه ليكشف عن الطبقة الداخلية فتفاجئ بما وجده اللون الأخضر الكلوروفيل، هذا دليل على الحياة.
صحة الأشجار مرتبطة ارتباطا شديدا بتوازن التوزيع الطاقي بين النمو وأنظمة الدفاع وصحة الشجرة الفرد مرتبطة بنظام الغابة كلها ومدى استقراره.
يا إلهي! هل يعقل أن يكون حيا بعد كل هذه المدة حيث أن بقايا الأشجار لا تعيش إلا بضع سنوات فقط وهذا الجذع عمره ما يقارب 400 إلى 500 سنة. نعم كان هذا ممكنا وكان التفسير لذلك أن أشجار الزان المجاورة قد زودت هذا الجذع بالغذاء والماء كل هذه السنين عن طريق الجذور وعن طريق شبكة من الفطريات. الغابة نظام عالي الدقة وما تم اكتشافه أيضا هو أن الأشجار تتصل فيما بينها عن طريق الجذور وهي تفرق بين الأشجار من نفس نوعها والأشجار المختلفة عنها أي تعرف عائلاتها.

لما قد تتعاون الأشجار فيما بينها؟

ببساطةٍ لأن الحياة تتطلب ذلك لتكون أسهل الشجرة المنعزلة ستجد صعوبة حيث لا يمكنها تعديل الجو وستكون وحدها أضعف في مواجهة الريح والحشرات والأخطار الممكنة. أما الأشجار معا فهي قادرة على تعديل حالات الجو القصوى الباردة أو الحارة قادرة أيضا على تخزين كمية أكبر من الماء وهي أقل عرضة للهجوم ولها مدة عيش أطول مقارنة بالوحيدة. إذا يا ترى كيف تعيش الاشجار كمجتمعات وما هي لغتها؟

الصاقدة بين الأشجار

الأشجارُ الصديقة هي أشجار تحترم حدود بعضها البعض حين تطلق أغصانها فهي لا تتجاوز ولا تخترق مساحة الشجرة المجاورة لها. كما أن هذه الأشجار متصلة بقوة عبر جذورها ويحدث أن تموت في نفس الوقت.

لغة الاشجار

للأشجارِ طرق خاصة للتواصل حتما هي ليست ناطقة لكنها تستعمل. الطريق الهوائي: وهي تفرز من أوراقها موادها العطرية التي تنقل عبر الهواء إلى جاراتها لتحذرهم من خطر يحدق بهم كهجوم الحشرات أو حيوان أخر.. كما أن للأشجار قدرة هائلة للتعرف على لعاب الحشرات والتفريق بينهم مما أكسبها حاسة التذوق. كما تستعمل الطريق الأرضي: ترسل عبر الجذور وعبر شبكة من الفطريات موادها الكيميائية وتيارات كهربائية للأشجار المجاورة لها للتواصل معها.

دور الفطريات

حتى هذهِ المخلوقات وجدت لها مكانا في هذا النظام الدقيق. أن هناك أشجارا اجتماعية وتوجد أشجار منعزلة ومنفردة لا تتواصل مع الآخرين وهنا يأتي دور الفطريات التي تعمل كوسائط فعالة على مساحات واسعة مشكلة شبكات بين الأشجار تنقل الرسائل والتنبيهات المحذرة من جفاف الأرض وهجوم الحشرات.

هل الأشجار تتعلم؟ وكيف يتم ذلك؟

حسبَ مقال بعنوان: “ليس فقط الفيلة حتى الأشجار تملك ذاكرة” نشر بـ 15 جانفي 2014 بمركز البيولوجيا المتطورة لجامعة وسترن بأستراليا للدكتورة غاغليانا مونيكا التي قامت بعدة أبحاث في هذا المجال أبحاثها أظهرت أن النباتات تتعلم كما تتعلم الحيوانات وبالطبع هي تقوم بذلك دون دماغ وهذه النباتات كانت قادرة على تذكر ما تعلمته حتى بعد أسابيع، وحتى عند تغير الظروف المحيطة بها.
ذلك عبر تجربة قامت بها على نبتة (ميموسا بوديكا) وهي نبتة حساسة جدا قاموا بإسقاط قطرات ماء على أوراق النبتة في فترات متفاوتة ومنتظمة. وكانت النبتة في بداية التجربة تغلق وريقاتها عند سقوط القطرة لكنها بعد تكرار التجربة اصبحت وريقتها تبقى مفتوحة حين فهمت أن÷ لا ضرر قد تسببه قطرة الماء. وحتى بعد مرور أسابيع ودون إعادة التجربة كلها من جديد حافظت النبتة على نفس السلوك وبقيت منفتحة أي أن الدرس بقي في ذاكرتها.

قدرة الشفاء عند الأشجار

صحة ُالأشجار مرتبطة ارتباطا شديدا بتوازن التوزيع الطاقي بين النمو وأنظمة الدفاع وصحة الشجرة الفرد مرتبطة بنظام الغابة كلها ومدى استقراره، عبر عدة عوامل منها الرطوبة والحرارة وشدة الضوء.. كتب بوريس توكين وهو بيولوجي في الاتحاد السوفييتي السابق سنة 1956 أن طحينا من إبر الصنوبر تقضي على الطفيليات في ثانية إذ أن هذه الإبر تحتوي على مادة تعمل كمضاد حيوي تخزنها الأشجار تسمى (THE PHTYNOCIDES) كما أضاف أن غابات الصنوبر هواؤها يعقم بمجرد إفراز هذه المواد من الإبر.
قد تمرض الأشجار حين تموت الأشجار المجاورة لها وهي عرضة للجروح كما هي عرضة للأمراض وغالبا في حين سقوط شجرة ستصاب الأشجار المجاورة لها لكن الضرر يكون كبيرا في فصل الصيف لأن الخدوش تكون أعمق والفطريات تستغل الفرصة لاقتحام الجذع تغلق الشجرة جروحها معدل 1سم/ سنة وبعد خمس سنوات يعود اللحاف الحامي كحالته الأولى.
نظام التكافل الاجتماعي عند الأشجار
الأشجارُ توزع غذاءها بينها حسب الحاجة والشجرة الضعيفة أو المريضة تتلقى دعما من الأشجار المحيطة بها حتى الشجرة الضعيفة لها مكانها في هذا النظام وضعفها يسبب ضعف الجميع يقاس ضعف النظام عند بعض الأنواع بضعف الحلقة الأضعف.

الأشجار المشردة

الأشجارُ في الغابات لها الفرصة أن تنمو بقرب عائلاتها التي من نفس النوع حتى أن الشجرة قد تنمو بجانب الشجرة الأم وهذه الأخيرة تتحكم في نمو طفلتها وتجعلها تنمو ببطء ليكون نموها سويا وسليما ولتعيش مدة أطول. لكن ماذا عن أشجار المتنزهات والأماكن العامة في المدينة؟ الأشجار البعيدة عن شبيهاتها هي أشجار تعتمد على نفسها الجو المتوفر لها لا يحتوي على الرطوبة الملائمة ولا الأرض تشبه أرض الغابة المرنة والغنية بل الأرض هنا صلبة فقيرة.
أرض يدوسها المارة مما يجعلها غير قابلة لتمرير المياه والهواء هذا ما يجعل الأشجار غير قادرة على تخزين الماء. أغصانها تقطع باستمرار للحفاظ على الرؤية في المدينة وعمرها يكون أقصر من عمر قريناتها في الغابة وهم أكثر عرضة للفطريات وفي النهاية ينتهي بهم الأمر إلى التقطيع واستبدالها بأشجار أخرى.

الأشجار المتفوقة

هوَ نوع من الأشجار المتشردة لكنهم فورا فضلوا الاستقلالية وتأقلموا على ظروفهم الصعبة منذ البذرة هم يفضلون الأراضي البعيدة، الصحراوية أو المحروقة.. هم لا يحبون الظل ويتنافسون على الضوء، السابق فيهم أكثر حظا من الذي يأتي متأخرا يكبرون بسرعة ويرسلون بذورهم لاحتلال أراضي أخرى بسرعة حتى أساليبهم للدفاع مختلفة هم يكبرون بسرعة وجذعهم يتخذ قطرا أكبر مما يجعلهم يكتسبون صلابة تحميهم من هجوم الحيوانات. لكنهم يتوقفون عند علو 25 مترا مما يجعل نوعا أخر من الأشجار الجديدة التي تنمو في ظلهم تتفوق عليهم وتخفيهم في ظلها بعد أن تكبر مما يسبب نهايتهم.
هذا العالم المذهل الذي يحتوي كل هذه الكائنات الحية التي تتلاشى حدودها معنا كل يوم يجعلنا نفكر ونعطيها أهمية أكثر ونعاملها بطريقة أرق. هي جزء من الحياة. قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): (إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فإن استطاع أن لا تقوم حتى يغرسها فليغرسها)

عن Admin

شاهد أيضاً

يَهُونُ عَلَيْنَا أنْ تُصابَ جُسُومُنَا وَتَسْلَمَ أعْراضٌ لَنَا وَعُقُولُ

محمدالمختار صاحبُنا المتنبي يتكلم عن خواطر الناس كما يقول ابن الأثير، ومن ذلك رفضه القاطع …

اترك تعليقاً