الرئيسية / غير مصنف / بــالعدل والإحسان يُكرّم الإنسـان وتبنى الاوطان

بــالعدل والإحسان يُكرّم الإنسـان وتبنى الاوطان

د . حضير الخزاعي

الاعتدالُ والاتزان أروع ابداعات العقل واسمى ترشحاته وأنبل افرازاته سواء في الاوضاع الطبيعية او عند الازمات، وبقدر ما يتمتع الفرد والمجتمع بمزيد من الاتزان والاعتدال تكون ضمانات الاستقرار والتنمية والازدهار حاضرة وفاعلة لأن الاعتدال يصيّر من موازين التكافؤ معياراً لانطلاق الكفاءات كما وأن الاتزان يوفر للأمة والمجتمع اجواءً من العدالة التي تنمو في اجوائها فرص احقاق الحق وديمومة بقائه، حتى عند أشد الظروف تعقيداً لأن الاعتدال والاتزان كفيلان بحفظ النظام العام الذي لم يشعر معه أحد بظلم أوغبن أو اقصاء، عندما تكون الموازين معتدلة وعندما يكون المجتمع متوازناً سواء في التعاطي الايجابي مع الافراد والمواقف والاحداث أو في التفاعل السلبي مع الآخر المختلف. وفي ذلك تضمنت الحضارة الإسلامية حشداً هائلاً من الآيات والروايات والنصوص والأدبيات الحاضة على الحق والعدل والتوازن والاتزان، وما تكرار ملايين المصلين عبر الزمان واختلاف المكان عبارة “اهدنا الصراط المستقيم” الى توكيد قرآني على أهمية الاستقامة التي هي انعكاس كامل وشفاف لمفهوم الاعتدال والاتزان لأن الاستقامة تعني فيما تعني رفض الجنوح والميل نحو طرف من الاطراف أو جهة من الجهات. فحسب الباحثين عن الوسطية والاعتدال ان يضعوا نصب اعينهم دائماً قول الله تعالى : “ولا يجرمنّكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا، اعدلوا هو أقرب للتقوى” ففي الآية الكريمة حضّ اكيد على تحقيق العدل عبر معيار الاعتدال الذي لا يظلم في ظله حتى العدو حيث لا يمكن ان تكون العداوة حاجزاً عن تحقيق العدل وتحققه واذا كان العدل اساساً للحكم فهذا يعني أنه لاعدائنا والمختلفين معنا حقاً في الاستفادة من قوانين العدالة التي ينبغي ان تشمل الجميع بما في ذلك الذين يختلفون معنا حتى لو كانت الكراهية والشنآن سمة من سمات العلاقة بين المختلفين لكن ذلك الشنآن وتلك الكراهية لا يمكن أن تقف عائقاً في طريق العدل عند المؤمنين بأن الاعتدال مروءة وأن الحق أحق أن يتبع، وإلى ذلك يدعو أمير المؤمنين علي (عليه السلام) وهو صوت العدالة الإنسانية الى الاعتدال حتى في الحب والكراهية على حد سواء، فيقول مخاطباً كل بني البشر: احبب حبيبك هوناً ما عسى أن يكون بغيضك يوماً ما، وابغض بغيضك هوناً ما عسى أن يكون حبيبك يوماً ما. وبما يعني سيادة قانون العدل والاعتدال حتى في الحب والبغضاء لأن القسوة في البغض سوف تغلق ابواب الحوار ومن ثم تسد طرق التفاهم والصلح والانسجام، ولذلك فلا عدالة ولا اعتدال ولا توازن ولا اتزان عندما تقطع الكراهية سبل التفاهم والوئام.
كما ان الجنوح بالحب الى حدّ التطرف ليصبح مانعاً عن رؤية اخطاء المحبوب وخطاياه هو الآخر مفارقة لمنهج الحق وبالتالي الركون الى العاطفة التي كثيراً ما تشطح باصحابها لتأخذهم بعيداً عن التوازن والاعتدال وبذلك نكون قد جردنا المجتمع من أهم مقومات بنائه وبقائه حينما يكون المعيار حباً اعمى لمنَْ نحب وبغضاً يعمي البصائر والابصار عن حسنات الآخر المختلف واقطع جازماً أن تحكيم مفاهيم الاعتدال والاتزان سوف تعيد لمجتمعاتنا توازنها وتحقق لافرادها عدالة تقنع الجميع.
إن تكافؤ الفرص هو التجسيد الحقيقي لمعاني المواطنة الحقة التي لا تضيع فيها حقوق الافراد وهذا ما تحتاجه شعوبنا وأممنا ومجتمعاتنا التي تعاني اليوم من فقدان للوزن والتوازن على حد سواء، وسبب ذلك غياب حالة الاعتدال في التعاطي بين ابنائها ومَنْ يتابع الإعلام العربي والإسلامي اليوم يجد انحيازاً كاملاً لهذا الطرف أو ذاك دون معايير للعدالة والاعتدال أو التوازن والاتزان فمن يوالي شخصاً او جهة يصنع منها نموذجاً للتجدد والصلاح والاصلاح ومَنْ يخالف جهة أو شخصاً يسلب منه كل معاني الخير والمروءة والاحسان ويلصق به من التهم ما لا يخطر على بال، وبالتالي يحلّ الظلم بديلاً عن العدل والانحياز بديلاً عن الموضوعية والزيغ عن الحق بديلاً عن التمسك بالهداية، وبالتالي سوف تعمل فؤوس الفرقة ومعاول الهدم بأقصى طاقاتها لتمزيق النسيج الاجتماعي الذي سوف تفقده الضغائن أعز ثرواته وأثمن طاقاته البشرية التي بامكانها أن تعيد بناء الدولة والمجتمع اذا ما فسح لها المجال للبناء عبر اجواء الاخوة والعدالة واعطاء كل ذي حق حقه اعتماداً على مبدأ الاعتدال في كل شيء ومع العدو والصديق على حد سواء، وعندما تعتمد المصلحة العليا ومعايير التوازن والاتزان فلا يشعر معها أحد بغبن ولا نخسر تبعاً لذلك طاقات منتجة شطب عليها التعصب او نجامل آخرين لا يستحقون ماهم فيه، وبذلك ندخل الوطن كله في دوامة ضياع الحقوق وتعطيل الطاقات وغضب الذين اقصتهم الظروف الشاذة والمعايير اللا معقولة وهذا ما يدعونا جميعاً لاعادة النظر والحسابات وفق مبادئ المروءة والانصاف لكي تصان الحقوق وتسود العدالة وتحكم علاقاتنا المروءة والعدل والاحسان.
وذلك أحوج ما نحتاج اليه في الظرف الراهن وفي كل عصرٍ وآن، اكراماً للإنسان وخدمة للاوطان.

عن Admin

شاهد أيضاً

الذين يستمتعون بنشر تفاهاتهم على الفيس

قصةُ إنسانية لا مثيل لها، زوجان متفاهمان جدا، يُصرحان بحبهما على الفيسبوك حيناً، وينشران صورهما …

اترك تعليقاً