الرئيسية / قراءة و كتابة / أقلام للإيجار.. هشاشة المقاومة الروحية

أقلام للإيجار.. هشاشة المقاومة الروحية

  عبد الكريم كاظم

إنَ مهمة الكاتب أن يكون رائي عصره والشاهد الحقيقي على ما يحدث في وطنه/نادين جورديمر
الكتابة النقدية تقف على مناقب هذا ومثالب ذاك..
الكاتب المعزول ثقافياً، المنزوع الكلام يقاوم ثقافة الخوف المتأصلة في العراق..
هل ما تزال هذه المفردات (الأخلاق، الموقف) مقبولة يا تُرى؟ كيف للكاتب أن يصون قلمه وهو لا يصون نفسه، فأقلامنا تُغِذّ السير مسرعة نحو الهاوية، لا عتب على الأنظمة القمعية، بل العتب كله على الأقلام إذ كيف تعول، وأعني الأقلام، على الأنظمة وهي منشغلة بامتيازاتها وشجون الثراء لدى الممسكين بقيادها؟ هل الجوائز مِنّة تُعطى؟ هل المكافأة هبة تُمنح؟ هناك بؤس ثقافي يدعو إلى القنوط وبعض المثقفين (الكبار) اللامعين آثروا الصمت، عقب النغييرات الاخيرة وسقوط النظام أو أُصيبوا باكتئاب ممض أو صمت جديد مقبوض الثمن أو خوف مزمن ولا أحد يصرخ أو يبالي، لو حدث ذلك لكانوا لاموا أنفسهم وقرّعوها بمرارة على إيثار البقاء الذليل المُهين. ليس الصمت بحلٍّ، ولكن الذل المقيم ليس حلاً أيضاً ولا عيشاً ترضى به الأقلام الحرة فوق هذه الأرض. لا يظنّن أحد أننا نهول الأمور، ونعطي، مدفوعون بالغفلة أو المحاباة لوحة زاهية عن حال الثقافة والكتابة والأقلام، لوحة تعتلج بحبر الضلالة وخطوط التمويه، أو أننا نريد أن نمرر الماء من تحت القارئ الكريم دون أن يدري ولا أن نبهرج الواقع.
الكتابة هي ممارسة فكرية ترتكز على علاقات متطورة ما بين اللغة والمعرفة، الوعي والجمال، وهي أيضاً ممارسة إنسانية اتخذت توجهات فكرية عديدة غير قابلة للمقايضة أو المساومة والابتزاز، إلا أن ما نسوقه اليوم، في هذا المقال، لا يبخّس إطلاقاً من مستوى أصحاب الأقلام أياً تكن كتاباتهم، وإذا شئنا الإيجاز سوف نقول: يصعب إقناع البعض بضرورة سيادة القلم وتالياً ضرورة الحاجة إلى الحرية بما هي فضاء كتابي يمنع الاستغلال ويضمن الاستقلالية في ظروف حياتية تاريخية حرجة، ومع تطور الوعي أو صلابة الموقف سيزول دور الاستغلال بما هو نظام سياسي من شأنه تقويض الكتابة.
لا سبيل إلى الشك في أن الضائقة المادية، للكاتب، تزيد من متاعبه الحياتية وتمتهن يومياته ومع هذا عليه أن يحمي سمعته من شأن التمريغ وأن يذهب في التمرد على ضائقته إلى الحد الذي يستهل فيه أي كفاف. هناك مشكلة خطيرة وضخمة لم تستطع الكثير من الأحزاب والمؤسسات الرسمية، حتى الآن، مواجهتها إلا بإحدى طريقتين: الأولى شراء الذمم، والثانية بإصدار قوانين رقابية صارمة تحرم هذه الكتابة أو هذا الكاتب من النشر، وكما هو واضح فإنه حل مؤقت وعاجز لأن اختراقه يتم في لحظة تنفيذه، ولأننا أيضاً نعيش في عصر المعلوماتية.
اليوم، لم يعد ثمة شيء من ذلك القلم الذي كان: أفلس القلم والمداد معاً، وبات صاحب الكلمة في العراء متسولاً لقمة العيش أمام أبواب المؤسسات. فماذا تبقى للقلم، وماذا في وسع صاحبه أن يفعل؟ لم يخرج موضوع التأجير من جوف العوز والفاقة فحسب بل، وعلى نحو حصري، من جوف هشاشة المقاومة الروحية أو ضعف التحصين الأخلاقي الذي يزوده بوسائل الحماية من غارات المال ونفوذ المتحزب وإغراءات المنصب. البعض، وهم القلة النادرة، أبى أن يؤجر قلمه وأرتضى أن يعيش أشدّ حالات الإهمال والنسيان والتجاهل ليحفظ نصاعة قلمه وموقفه. ثمة أمور لا تحتاج إلى تفسير تتعلق بعامل الأخلاق والمواقف التي لا سبيل إلى تجاهلها، وإلا ما معنى أن يحفظ بعضٌ من أفقر الكتاب برأسماله الأخلاقي: نزاهة قلمه، بل وأن يُصِرَّ على نظافته وعزلته وإسرافه بالزهد، أنه يسجل موقفه للتاريخ الإنساني وللكتابة وذاته ليس أكثر.
لم يَقْوَ كثيرون، من الكتاب، على ممانعة جاذبية التأجير فأسهموا في تقديم كلماتهم وبحوثهم ومقالاتهم وقصائدهم ومناوراتهم وتبريراتهم واعترافاتهم في مشاريع عدة تدمغ الماضي وما عشي عليه من مواقف أخلاقية وجريئة، هل المسألة هنا هي لإشباع حاجاتهم، الأساسية والكمالية، أم هو سلوك درب الاستسلام أمام العروض المغرية السخية، أم الاستعداد النفسي لتقديم هذه الخدمات المقبوضة الثمن؟ وهكذا حين يتحطم الجدار الأخلاقي والنفسي يتحول القلم إلى أجير يستبدل الكتابة الصادقة بالزائفة والمصلحة العامة بالشخصية من دون خشية تأنيب الضمير، بل من دون حياء، نحن هنا لا نتحدث عن الحلال والحرام بطريقة دينية مجردة إذ ليس هناك حرام ثقافي أو سياسي أو اجتماعي، هناك فقط موقف إنساني أخلاقي لا يفصل بين المعرفة والحياة، بين الثقافة والمجتمع أو بين الكاتب وقلمه، وهذا الأخير ليس قيمة سلعيّة قابلة للبيع والشراء، للعرض والطلب أو للتداول التجاري في سوق (القيم) السياسي والعقائدي والسلطوي.
على الأقلام الحرة أن تتولى مسؤوليتها، فإما أن تكون يقظة وواعية بمصائرها، وبالتالي تضع نفسها أمام الموجبات والحقائق والوقائع التاريخية، وإما أن تكون، وهذا هو الواقع المؤلم والجارح، غائبة عن التحسس بدورها، يغالبها النعاس والخوف والصمت وتضع الحقيقة والحرية والمعنى والحياة واللغة تحت تصرف خزينة السياسي.
ألا من متمرد على هذه الأحوال، ألا من هو خارج على صمت المقابر؟

عن ليث الشمري

شاهد أيضاً

من أجل من نكتب ؟ الكتابة الجادة لا تبدأ من الوعي

فكرتُ مليا ماذا أكتب في هذه البداية، ولم أستطع الوصول إلى جواب. قرأت مرة عبارة …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *