الرئيسية / ميديا / مَنْ يتبنى القصص الصحفية

مَنْ يتبنى القصص الصحفية

طاهر علوان

لا يكادُ يمرّ الوقت إلا وقصة صحفية تم نسجها وبثّها للجمهور العريض في أنحاء العالم.
عادة التعاطي اليومي مع الخبر الصحفي وإنتاجه وصياغته صارت جزءا مهما من مفردات حياة ضاجة ومصطخبة وحبلى بالأحداث والتطورات.
الغريب في الأمر أن ذلك الجمهور المستهلك والعريض لا يشغل باله كثيرا بالسؤال: من الذي صنع تلك القصة أو القصص الصحفية؟
حديث القصة الصحفية سوف يتّسع إلى توصيفات شتى ومنها مثلا قول ماثيو أرنولد :”إن القصص الصحفية إنما هي نوع من الأدب الذي يُقرأ على عجل”.
لعلّ تلك العجالة التي طبعت العلاقة مع لغة الصحافة هي التي جعلت من عملية استهلاك القصص الصحفية عملية سهلة من جهة وأن تلك الأجواء كانت كافية بالنتيجة لتغييب صانعي القصص الصحفية أنفسهم.
صانعو القصص الصحفية المثابرون الذين درجوا على تلك المهمة ونذروا أنفسهم لها يجدون أنفسهم جزءا من منظومة النسيان تلك، إنهم أولئك الصانعون المهرة للقصص الصحفية الذين يشعرون بأنهم يقومون بمهمة تتجدد في كل يوم مع تضاؤل الإحاطة بها إلى درجة أن إحدى المنصات الرقمية العملاقة قد توصلت إلى استحداث صانعي قصص روبوتيين وطلبوا التفاعل مع المشروع، هنا تتم مقاربة هذه الإشكالية بطريقة غريبة وكأن صانع القصص جامد وسلبي ولا يفعل الشيء الكثير لغرض الوصول إلى الجمهور العريض سوى فبركة بضع قصص في طريقها إلى الاستهلاك يمكن أن يصنعها روبوت أصم.
إنها حقا نظرة تبسيطية لواحد من أهم مفاصل العمل الصحفي حيث يجري طمس الصنّاع المهرة وتغييب أدوارهم في الخوض في لجّة الأحداث والخروج منها بتلك القصص التي تتجدد وتتدفق على الجمهور العريض.
كان صانعو القصص في الحقبة النازية يشكّلون ظاهرة عجيبة، فقدرتهم على تسويق قصصهم إنما ارتبطت ليس بذلك الجمهور المتعجّل بل بالجمهور المتعطش الذي لديه استعداد مسبق للتصديق بكل القصص والتفاعل معها، وبذلك وجد من يتبنى القصة الصحفية ويدافع عنها، تلك هي حال صحافة الأنظمة الشمولية.
مؤخرا تم نقل تفاصيل عن أجواء قيام زعيم كوريا الشمالية بتجاربه الصاروخية ورافقتها انطباعات جمهور كوري متنوع ظهر أنه لم ير بعينه صاروخا ولم يسمع شيئا، سوى أنه مستعد لتبني القصص الصحفية التي يجري ضخها له سواء أكانت حقا أو باطلا.
هنالك إشكالية نفسية واجتماعية أدت إلى ذلك الإهمال المتواتر الذي دفع بصانعي القصص إلى الاختباء خلف قصصهم ورضاهم بما تصيبه الصحيفة من نجاح وانتشار، فتلك غاية المنى وبذلك رضي هؤلاء الصانعون المهرة للقصص الصحفية بما ستؤول إليه الأمور من رواج أسماء تعلق عليها بينما تتناسى وتُسقط الصانعين المهرة الحقيقيين.
ظاهرة كانت قد ولدت من رحم غرفة الأخبار، إذ أدمجت القصص الصحفية بالشكل الأدبي السردي، لكن الأمر اتخذ شكلا آخر أصبحت فيه القصة الصحفية في حد ذاتها موضوعا لكن جمهورها العريض ظل يخذلها لكونه جمهورا مكتفيا بالاستهلاك وعلى عجلة من أمره، ولهذا فلن يكترث بصانعي القصص وكأنها نوع أدبي من دون مؤلفين.

عن ليث الشمري

شاهد أيضاً

الجمهور بحاجة دوماً الى الهتاف

كرم نعمة حجةُ أنك على صواب لأن الجميع ضدك، ليس أمرا كافيا يجعلك تستمر بنفس …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *