الرئيسية / ميديا / السوشيال ميديا والاجتمــاع المعاصـــر

السوشيال ميديا والاجتمــاع المعاصـــر

إيهاب الملاح

في مقالٍ سابقِ “العيب” تطرقت عرضا إلى ما أسميته بـ”ثقافة السبارس”، أو الثقافة المبتورة الناقصة التي يتعامل معها جمهور التواصل الاجتماعي= السوشيال ميديا خاصة من الشباب وصغار السن، وتكاد تكون هي المصدر الوحيد الذي من خلاله يتعرفون على العالم من حولهم، بل ويحكمون عليه أيضا!
هذه الثقافة في الغالب تقوم على “الخفة والسذاجة والنقل المتسرع غير الموثق، ثقافة قوامها الخطف والتقاط القشور والادعاء الشكلي، ثقافة التلفيق والخلط والخزعبلات التي لا علاقة لها بفكرة عميقة أو بحث رصين أو توثيق علمي أو قراءة منهجية”.
ثقافة تتكئ بكل عنف على الجماهيرية الزائفة والأعداد الفلكية المتسترة وراء ما بات يعرف بـ “التريندات” و”الفولوورز” وما شابه ذلك.. وفي وسط هذا الركام الخانق، لا يوجد واحد من هؤلاء امتلك الحد الأدنى من الفهم السليم للغة التي يقرأ أو يكتب بها أو تأسس وعيه ونمت ذائقته بشكل طبيعي بموازاة قراءة نقدية عميقة (امتحان إملاء متواضع مع اختبار ثقافة عامة حقيقي كفيلان بكشف المستور)”.
وأظن أن دراسة- بل دراسات- لازمة لهذا الفضاء الزاخر الهادر (فيسبوك، تويتر، إنستجرام،.. إلخ) تحلله وتكشف عن الأغوار البعيدة والتأثيرات العميقة التي لعبها في خلخلة منظومات كاملة وتصورات بأكملها عن الحياة والمعرفة والعلاقات بين البشر، وما أدت إليه، وتؤديه، في تشكيل فكر ووجدان الملايين دون أدنى مبالغة.
إن وسائل التواصل الاجتماعي وفي القلب منها “فيسبوك” أصبح فعلا فضاء جامعا لكل شيء.. “أية حاجة وكل حاجة!”؛ الجاد والهازل، الحقيقي والمفبرك، الشخصي والعام، السلمي والعنيف.. كل هذا يمثل صعوبة شديدة (بل خطورة أكيدة في بعض الأحيان) على من يحاول الإبحار في مثل هذا الفضاء دون أن يكون واعيا بمشكلاته وتداعيات التعامل معه دون وعي ولا إدراك.
لو أخذنا “فيسبوك”، مثالا، باعتباره الموقع الأكثر شهرة وانتشارا على كوكب الأرض؛ هذا الفضاء الأزرق قادر على ابتلاع الملايين من البشر وتعريتهم تماما وفضحهم، مجازا وحقيقة، لا أمام أنفسهم فقط وإنما أمام الآخرين يعني بلغتنا الدارجة المصرية “تجريسة وعلى الملأ فضيحة!”.
هو في الحقيقة أداة أيضا للانتحار المعنوي دون أن يدري أحدهم أنه ينتحر معنويا بجملة واحدة.. كلمة واحدة كفيلة بالفضح وهتك الستر وجعل صاحبها “مسخة” (المصيبة أن من يتحول إلى مسخة لا يدري أنه مسخة!!). ليس هذا فقط، فقد يؤدي جهل الشخص بطبيعة هذا الفضاء الذي يتعامل معه للمرة الأولى أو يتعامل معه بخبرة ناقصة وغير مكتملة، قد تؤدي به للانزلاق إلى فِخَاخٍ وحُفُر تصل إلى حد الكوارث بالمعنى الحرفي..

والشواهد أكثر من أن تحصى!

صورةٌ أخذت دون إذن صاحبها أو صاحبتها، تحايلا أو صدفة، قد تدمر حياته أو حياتها تماما! اختراقات الحسابات الشخصية، وهي مما يدخل في عداد الجرائم الإلكترونية، وما يتبع ذلك من ابتزاز ومساومة وتهديد بالفضح وتشهير بالسمعة، كل ذلك فيض من غيضِ مصائب التواصل الاجتماعي لمن لا يعرف كيف يبحر وسط أمواجه وأنوائه!
وإذا كانت السخرية لدى كل شعوب الأرض وسيلة للنقد تكاد ترتقي بذاتها إلى فن بذاته، فإنها على التواصل الاجتماعي أو من خلالها تتحول إلى وسيلة إعدام فى منتهى القسوة!
تصبح اللازمات=”الإفيهات” و”النكات” التى تكاد تتوحد حرفيا مع البذاءة والفحش كما لو كانت حكما باتا بالإعدام المعنوي يصرف ولو قليلا من طاقة العنف المكبوت والغضب المكتوم داخل النفوس والقلوب!
دون مبالغة يتعمد البعض من خلال “التواصل الاجتماعي” إعدام من يختلفون معه بمشانق من العبارات الساخرة والنكات اللاذعة والسباب الفاحش!
هذا فضاء غادر إذا لم يكن المرء منه على حذر ودراية وقع فريسة بين أنياب لا تُسيل دما لكنها لا ترحم!

عن ليث الشمري

شاهد أيضاً

الجمهور بحاجة دوماً الى الهتاف

كرم نعمة حجةُ أنك على صواب لأن الجميع ضدك، ليس أمرا كافيا يجعلك تستمر بنفس …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *