الرئيسية / الصفحة الأولى / لكي لا نخـرّب بيـوتنا بـــأيدينا

لكي لا نخـرّب بيـوتنا بـــأيدينا

1

د. خضير الخزاعي

المتابعُ المنصف لما عليه المشهد السياسي العراقي يخرج بانطباع مرّ عن العلاقات السائدة بين الساسة الذين هم اليوم باشد الحاجة الى عقد معقول مقبول ينظم علاقاتهم التي وصلت الى حدّ ليس فيه من يجد مكاناً آمناً أو ملاذاً حافظاً لسمعتهم وقد مزقها النقد والنقد المضاد حقا وباطلا، وبعد أن اطلق الجميع النار على الجميع ولم يعد هناك ما يستر ما ينبغي ستره، حيث الرثاثة هي العنوان الاشمل لسمعة المشتغلين بالسياسة وكأنهم جميعاً من جنس واحد من حيث الفشل والفساد وسوء الاداء وفقدان اللياقة المطلوبة، وللانصاف فأن الأمر ليس كذلك وهذا لا يعني نفياً مطلقاً للفشل والفاشلين ولا دفاعاً عن الفساد والفاسدين ولكن التهاتر بالالفاظ اللا مسؤولة واستخدام العبارات المشينة السيئة لم تترك أحداً بمنأى عن معاول الهدم المدمّرة لكل ما هو صحيح وسليم في بلاد الرافدين.
إن نظرة موضوعية هادئة تقودنا الى القول بأن في هذه البلاد الكثير من الاخيار والطيبين والكفوئين والنزيهين، ولكن ايضاً هناك الكثير من السيئين والفاشلين والفاسدين، وان التعميم امر خطير فلا يصح أن نصف الجميع بأنهم ملائكة وأبرار ولا أن نتهم الكل على أنهم شياطين واشرار، ولكن الصحيح أن الناس منذ أن خلقهم الله على هذه الارض كانوا مختلفين، ففيهم التقي النبيل الجليل وفيهم الشرير المسيء الخطير.
ولذلك نحن بحاجة الى توازن في القول الذي يرفض فيه التعميم السلبي والايجابي على حدّ سواء، وهذا الامر مدعاة للتوافق بين السياسيين انفسهم، وان اختلفوا على ضبط ايقاعات النقد ليأتي منصفاً موضوعياً وبناءً فيقال للمحسن محسناً وللمسيء مسيئاً، والمنطق القرآني قد حدد الأبعاد الاخلاقية للنقد الموضوعي حينما خاطب المسلمين جميعاً “ولا يجرمنكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا، أعدلوا هو أقرب للتقوى”.
ورسم آفاق النقد البناء عبر محددات تقول: “ولا تقفُ ما ليس لك به علم، إن السمع والبصر والفؤاد كلّ اولئك كان عنه مسؤولاً”.
والمشكلة لا تكمن في تجرؤ الساسة على بعضهم ممَنْ يخالفونهم في الرأي والرؤية، وانما يتمدد ذلك الخطر الى عامة الناس الذين لايرون في المتساجلين بالشتائم والمتبادلين بالتهم الا أشراراً وبما لا ينجو معه احد من طائلة النقد والتجريح ومن ثم تسلب ثقة الناس بالجميع خاصة وأن كل المشاركين في هذه المعركة اللا اخلاقية واللا مسؤولة سيصبحون بنظر العامة شهوداً على سوء الآخرين وفسادهم، وبالتالي تعم المصيبة عندما نعرّض جيلاً من الساسة الذين نأمل بهم خيراً في التصدي لأمور البلاد والعباد، الى التشهير والتسقيط الذي لا يرحم حتى سهل على الناس أن يطلقوا تعميماً خطيراً حينما يهتفون بحق الساسة ـ كل الساسة ـ عبارة: “كلهم حرامية”، ترى هل هناك من سأل نفسه هل هذا التعميم صحيح؟ ومن أين نأتي بساسة جدد لايأتيهم الباطل من بين ايديهم ولا من خلفهم. ومَنْ يضمن أننا حينما نسقط سياسيينا سوف نأتي بآخرين أفضل منهم، ثم هل من المروءة والانصاف ان نصنّف المتصدين بالفشل والفساد وبلا أدلة ناهضة على الادانة؟.
وما يزيد الامر سوءً أن الاعلام الذي لا حدود له ولا قيود عليه أسهم اسهاما كبيراً في نشر ثقافة التسقيط والتشهير وصار يلاحق المتصدين بالتهم التي لا يمكن ان تثبت الا في اروقة قضاء عادل وإلا فما اسهل أن يكيل البعض للبعض الآخر كل التهم التي تتعدى اللياقات وتخترق الخصوصيات عبر العزف على وتر الفساد والفشل والتخوين حينما تتضافر على ذلك جهود الخطباء والادباء والكتاب والعاملين في الصحافة والفضائيات والمواقع الالكترونية التي يقف وراءها مجهولون واشباح لا يعرفهم احد، ولكن سموم كراهيتهم للآخر لاتعرف الحدود ويمارسون الضرب تحت الحزام بلا رادع من دين او قانون او خلق او ضمير. هذا فضلاً عن الفبركة الإعلامية والمطابخ الرخيصة المتخصصة بصنع الاكاذيب وصياغة التهم الجاهزة وهي تحترف الكذب والدجل والافتراء ومن خلف هؤلاء مشغّلون يمتلكون المال والرجال والتخصص في الايذاء، وحسب المرء أن يتابع الفضائيات والصحف ليرىوالمواقع الالكترونية التي لا تعد ولا تحصى فيسمع سيلاً من التهم الجاهزة الذي تغرق بين لججه كل الاعمال الصالحة والنوايا الطيبة والجهود الخيرة التي يبذلها المتصدون وكأن البلد ليس فيه الا الدمار والخراب والفشل والفساد والاحتراب.
اتمنى على المراقب أن يتابع بعض الصحف وبعض الفضائيات وأغلب مواقع التواصل الاجتماعي ليرى ان بلدنا يصوّر وكأنه غاية ليس فيها الا القتل والذبح والاختطاف والنهب والسلب والعدوان ولم يعثروا ولو مرة واحدة على حسنة تذكر قد قام بها هذا السياسي أو ذاك، وهذا المتصدي أو ذلك. فالكل مجمعون- حسب هذه الاصوات والاجندات- على تدمير هذه البلاد ونهبها والامر في حقيقته ليس كذلك.
نعم، صحيح أن هناك الكثير من الفاسدين ولكن الصحيح ايضاً ان هناك الكثير جداً من الصالحين، فلماذا نحرق اليابس والاخضر؟ ولماذا يتساوى لدينا المحسن والمسيء؟ ولماذا لا نروّض أنفسنا على قول الحق وقبوله، فنقول للفاسد أنت فاسد وللصالح أنت من الصالحين وبلا تعميم؟ وذلك هو العدل الذي افتقدناه ولذلك نبدو وكأننا اجمعنا على أن نخرّب بيوتنا بأيدينا وكأننا ننفذ مخططا إجرامياً لقتل روح الأمل في شعبنا وكأن وضعنا في سوء لا فرصة فيه لاصلاح قط، والأنكى من كل ذلك ظهور بعض المسؤولين “اللامسؤولين” أمام شاشات التلفزيون ليقولوا وبصفاقة غريبة مريبة وبلا خوف أو حياء: أن كل المسؤولين سرّاق ونحن منهم ومَنْ لم يسرق فهو جبان، هكذا تنقلب المعايير وتخسر الموازين ويصبح التباهي بالفساد فضيلة لا يخجل الفاسدون من اطلاقها وتبنّيها وفي هذا خطر جسيم حينما لا يحاسب هذا المعترف بجرمه احد وبما يجرّؤ الآخرين على الفساد أولاً ويعطي صورة شوهاء مفزعة عن بلد يتفاخر به الفاسدون بفسادهم، ويقيناً أن هؤلاء يوجهون ضربة قاصمة لسمعة بلادهم التي صنع منها الإعلام مادة للتندر. أما العالم المتقدم حينما يسمع ذلك من مسؤول فهذا اكبر شهادة لديه على تردّي أوضاع البلاد الى هذه الدرجة التي تستحق عندئذ ان تكون معها بلادنا في رأس قائمة الدول الأكثر فساداً والأكثر سوءً والاشد فشلاً.
أن الأمر قد بلغ حداً لا يطاق وما لم تتضافر جهود المخلصين من ابناء هذا البلد لكبح جماح هكذا مخاطر فأن مستقبل هذا الجيل والاجيال القادمة أمام كارثة كبرى، نحن المسؤولون عن صنعها أن لم نبادر بايقاف طاحونة بؤسها المدمرة وطاعون شرها المستطير.

عن ليث الشمري

شاهد أيضاً

روح النبوّة الزهـــراء.. نداءُ الفداء لتُحفة السماء

انطلقتْ فعّاليات مهرجان روح النبوّة الثقافيّ السنويّ العالميّ، الذي تُقيمه شعبةُ مدارس الكفيل الدينيّة النسويّة …

اترك تعليقاً