الرئيسية / الصفحة الأولى / العقلانيـــة المتواريـــة في دوامــة الجنون العالمي

العقلانيـــة المتواريـــة في دوامــة الجنون العالمي

1

د . خضير الخزاعي 

نعيشُ اليوم في عالم تعطلت فيه لغة العقل لتستبدل بلغة الحرب، حينما اختار الطغاة وصناع القرار الكبار منطق القوة بديلا عن قوة المنطق ومقولاته، وتبعا لذلك تسابقت قوى الشر لتنفق على الحروب وإبادة الشعوب مايكفي بعضه لرخاء الآدميين وسد جوع الفقراء والجائعين وانهاء معاناة وعذابات البائسين، ولذلك تحركت آلات الموت الجماعي وصناعات الدمار الشامل لانتاج ما يكفي وزيادة لإبادة أضعاف سكان الارض. كما كان بامكان مهندسيها وعمالها ان يصلحوا ما افسده الاشرار في هذا الكون الذي لم يسلم من شرورهم حتى الفضاء والهواء فضلا عن الارض والماء، وسخرت العقول لانتاج “أم القنابل” والتي بلغت تكلفة الواحدة منها (16) مليون دولار لان مفعولها عظيم في حصد أرواح الآلاف من بني البشر والتي لو صرف بعضها على الصحة والتعليم ومكافحة الفقر والجريمة لحولنا الدنيا الى واحة خير ومحبة ولصيّرنا السجون والمستشفيات حدائق ومتنزهات ولتخلص سكان الارض من الامراض والعلل والعاهات والازمات، ولم يكن الساسة وحدهم أبطال هذه المآسي والكوارث والملمات وانما شاركهم في جرائمهم الكبرى هذه جيوش من الاعلاميين وتجار الحروب والمنظرين لها فضلاً عن المهندسين والفنيين الذين ارتضوا ان يكونوا ادوات رخيصة لتنفيذ مشاريع الابادات الجماعية التي يذهب ضحيتها الملايين كل عام ولا من ضمير يتحرك.
اما الامم المتحدة والمنظمات الدولية فقد تخلت عن مسؤولياتها في حفظ الامن وتحولت الى مؤسسات تابعة للقوى الاستكبارية التي لا همّ لها الا تحقيق الارباح وبأية وسيلة كانت ومهما تضاعفت اثمانها وازدادت أعداد ضحاياها. الشعوب هي الاخرى شريكة في هذه الجرائم المروّعة حينما تختار المهووسين بالحروب قادة وحكاما وتسلمهم تقاليد الامور وتخولهم اتخاذ القرارات الاجرامية التي لا ترعى في الناس إلّاً ولا ذمة لتتحمل بذلك أوزار مَنْ اختارتهم من القتلة والسفاحين وتساهم بشكل فعال في تبعات الحروب وخطاياها واخطائها واخطارها وآثارها وليصدق عليهم حديث الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم): “كيفما تكونوا يولى عليكم”. وذلك ما نشاهده اليوم في كوريا الشمالية والولايات المتحدة وما ستشهده اوروبا من فوز محتمل لبعض المتطرفين هناك، لينضموا الى قائمة رعاة الحروب وتجار الموت، اما عالمنا الإسلامي فهو الآخر منحدر في مستنقع الآثام عبر تكريس وجود المغامرين وكما هو الحال في بلدان الشرق الأوسط الذين يتصدى لزعامة بلدانه من هم مستعدون دائماً من الاشقياء الذين لا يرون المجد الا بانتهاج سياسة العنف وتغذية الساحات الملتهبة بزيت الطائفية والتفجيرات والتفخيخ والقتل العبثي.
أما الكيان الصهيوني فهو وحده في المنطقة والعالم الإسلامي مَنْ يدير الازمات ويتبنى سياسة العنف والحروب الاهلية بالوكالة دون ان يخسر شيئاً.
فيما شعوبنا المغلوبة على أمرها تقف بانتظار الاعلان عن حرب جديدة ضدها هنا أو هناك رغم كونها غارقة حاليا في اتون اقتتال داخلي انهكها وأربكها ولا فرق بين ان تكون الحروب المنتظرة ضد حكوماتها او فيما بين طوائفها وقومياتها عبر تنفيذ اجندات الصراع اللامتناهي طائفياً كان أم قوميا او حروب غلبة واستكبار وقهر للجيران لأن لغة الغاب السائدة اليوم هي التي ترفع شعار “القوي يأكل الضعيف”.
ولا رأي للحق الضعيف ولا صدى
الرأي رأي القاهر الغلاب
واذا كان الكبار تحكمهم اتفاقات الاحلاف الكبرى والكارتيلات الاستعمارية فأن عالمنا الإسلامي تنتابه حمى التقسيم والتشظي والتجزأة لما هو مجزأ ومقسم ومتشظ بالأساس واذا كانت اتفاقية سايكس بيكو قد آذنت بانصرام بعد مائة عام من مرارة الحياة في ظلها فأن مخلفاتها لا تقل عنها شراً وضراوة بعد ما زرعت في قلب عالمنا الإسلامي حقول الالغام الواسعة وملأت مساحات شاسعة من اراضينا بالقنابل الموقوتة على طول الحدود بين البلدان الشقيقة والجارة والصديقة، ولم يكن أحد في مأمن الا الكيان الصهيوني الذي يتفرج على آلامنا ويشمت بشعوبنا ويخطط لديمومة صراعاتنا ولم تعد ادوات الحروب واستمرارية ويلاتها بحاجة الى جيوش أجنبية لأن الحمقى من الأُجراء المحليين ممَنْ اختاروا الاعتياش على قتل أهليهم وابناء جلدتهم صاروا خلقا كثيرا خاصة مع وجود مَنْ ينفخون بنار الفتنة ويصبون عليها زيت احقادهم واضغانهم وجهالاتهم، وما زال هناك جيوش من الاعلاميين المرتزقة الذين يحرّضون على العنف ويدعون اليه.
اننا اليوم والعالم باسره في دوامة “جنون البشر” واذا كان القرن العشرون قد شهدت نهاياته حكومة مجانين في العراق وليبيا فأن بدايات القرن الحادي والعشرين قد انتجت مجانين كبارا لا يكلف أحدهم نفسه اكثر من ضغطة زر لينهي حياة كل سكان الارض، وهناك المزيد من المخزون الستراتيجي الذي يكفي بعضه لكتابة نهايات التاريخ الإنساني في هذا الكون. ويبدو ان الشركات الكبرى لصناعة السلاح صارت هي القوة الاكبر تأثيرا على اختيار الحكام الذين ينفذون مخططات جشعهم ويحققون المليارات من ارباحهم ويبدو ان هذه الارباح لا تقتضي بالضرورة اشعال حرب هنا وحرب هناك وانما يكفي مجرد التهديد بالحرب لتسارع بعض الحكومات الغنية للتهافت على شركات السلاح لتزويدها بما يفوق حاجتها للدفاع مقابل امتصاص ثروات الشعوب لأن الهلع وحده يكفي لفتح جيوب الحمقى من الحكام وتفريغها استعداداً لحروب وهمية ومعارك افتراضية لم تحسم اي منها بنصرٍ في حال وقوعها اما مع عدم حدوثها فالزمن كفيل بتحويل هذه الاسلحة التي لا حاجة لها الى انقاض من الحديد الذي لا ينهض بعد حين ان يكون سلاحا فعالا في قبال ما تبدعه التكنولوجيا من اسلحة الكترونية متطورة وهكذا تنتهي ثروات الشعوب جراء حماقات حكامها الى هباء منثور سواء وقعت الحروب أم لم تقع.
تلك هي مأساة عالمنا الاسلامي الذي يتندر الكبار على غباء حكامه.
في مقابل كل هذا الغباء المدمّر يحتاج عالمنا العربي والإسلامي الى صياغة عقد اجتماعي جديد وإعادة النظر بكل فقرات العقد البالي القديم بين الحكومات وشعوبها تلك الحكومات التي لم تعد تمثل هذه الشعوب ولا هي بالقادرة على تأمين سلامتها ولا بالمؤهلة لتطويرها وتحريرها واستقرارها وازدهارها وبالتالي فهي لا تمثلها ولا تصلح لقيادتها وبما يستوجب تغييرها واستبدالها ان لم تكن اهلاً للقيادة، كما لا بد لشعوبنا من مصالحة شاملة لكل مكوناتها من جهة ومصارحة كاملة مع حكوماتها بعد تقييم ادائها لأدوارها من جهة اخرى، كما تقتضي الضرورة اجراء تفاهم شامل كامل بين الجيران من شعوب وحكومات المنطقة كي لا يستعدي اعداؤها بعضهم على البعض الآخر وكما هو الواقع حالياً وتكون مصداقاً لقول الله تعالى: “ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم”. ولذلك فنحن امام منعطف كبير وخطير فأما الى الهاوية اذا ما بقيت الاوضاع على ما هي عليه وعندها يشملنا قانون الاستبدال الالهي “يستبدل قوماً غيركم ثم لا يكونوا امثالكم”.
أو أن نصحوا لنصلح مافسد من امورنا وعندها سنفتح للأمل ابواباً واسعة من الخير والتقدم والاستقرار والازدهار.

عن ليث الشمري

شاهد أيضاً

روح النبوّة الزهـــراء.. نداءُ الفداء لتُحفة السماء

انطلقتْ فعّاليات مهرجان روح النبوّة الثقافيّ السنويّ العالميّ، الذي تُقيمه شعبةُ مدارس الكفيل الدينيّة النسويّة …

اترك تعليقاً