الرئيسية / أفكار / السوسيولوجيــا حاضنة الثنائية القلقة

السوسيولوجيــا حاضنة الثنائية القلقة

داليا عاصم

إذا أردنا فهمَ العلاقة الجدلية ما بين الثقافة والسياسة؛ فإنه لا ملاذ لنا إلا علم الاجتماع، بكل الأفكار والرؤى التي صاغها علماء السوسيولوجيا. فقد ذهب هيجل إلى أن: “المجتمع نتاج ثقافة فريدة من نوعها خاصة به”، وعلى العكس رأى ماركس أن: “المجتمع هو الذي ينتج الثقافة، وليست الثقافة هي المسؤولة عن إنتاج المجتمع”، وكان يعتبر أن البناء الاقتصادي للمجتمع هو الذي يشكل ثقافته. كما كان من آراء بلوم أن: النشاط الإنساني وإنتاج الأعمال الأدبية لا يمكن أن يتم دون العلاقات السلطوية. وعادة ما يلجأ السياسي للمثقف لكي يوجهه لمعرفة مفاتيح المجتمع، ويتعرف منه على كيفية التعامل معه، ويطلب منه المساعدة كي يستطيع أن يطبق سياسة ما أو إستراتيجية ما، وأحياناً تتورط أسماء كبيرة من الأدباء أو الأكاديميين في مكافحة تمرد ما أو حركة عصيان طلابي.
فالسياسي يلجأ للمثقف في وقت الأزمات، وكذلك أيضاً يلجأ المثقف للسياسي في وقت أزمة ما تلم بالوسط الثقافي أو في حال تعرض أحد الرموز الثقافية للاعتقال وما شابه. لكن المثقف لا يلجأ للسياسي للوصول لأيديولوجية المجتمع؛ بل يمكنه ذلك بكل سهولة لما يملكه من سلطة المعرفة أو (رأس المال الرمزي)، وهو المصطلح الذي صاغه عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو. وقد كانت كتابات العالم الفرنسي بيير بورديو ترصد المثقف باعتباره صوت المجتمع، ويرى أن الفارق بين السياسي والمثقف هو أن السياسي قد حصل على تفويض رسمي من المجتمع للحديث عن همومه وقضاياه؛ بينما المثقف حصل على تفويض المجتمع بشكل رمزي.
ويعتبر بورديو وظيفة الدولة هي أنها تنظم الممارسات في المجتمعات بما فيها الممارسات الثقافية، فهي تفرض تأطيراً احتكارياً على الممارسات الثقافية، وتعمل على ترسيخ أشكال رمزية للتفكير المشترك وأطر اجتماعية للإدراك والفهم والذاكرة. ويرى بورديو أن تلك السلطة التي تمارسها الدولة على أنماط التفكير هدفها ضمان سيرورة الاندماج الكلي للتفكير المشترك للمجتمع، وتبدأ تلك الإستراتيجية من مرحلة المدرسة، فتبدأ الدولة بفرض مبادئ التصنيف الأساسية كالجنس والسن والكفاءات والطبقة الاجتماعية، وهي بذلك تمارس سلطتها الرمزية، فتضمن بذلك الخضوع الخفي للمجتمع.
أما المثقفون بوصفهم فاعلين ومنتجين لثروات الرمزية (كالكتب أو الخطابات الرمزية..إلخ)، من خلال أعمال تقوم على نفي المنفعة؛ فيحظون بالتقدير العقلي من قبل المجتمع. على مستوى الأحداث والفعاليات الثقافية؛ فالسياسة تهيمن في كثير من الأحيان على الثقافة والفعل الثقافي. وفي بلداننا العربية لا تزال الأحداث والفعاليات التي تنظمها الدولة هي التي تحظى باهتمام المجتمع، كما أنها المؤشر الذي يمكن من خلاله قياس سياسة الدولة بشكل عام. وعادة ما يتم تصنيف المثقفين لفئتين: فئة المحسوبين على نظام الدولة، وفئة المعارضين الذين ينتقدون كل ما هو خاضع لهيمنة الدولة.
بشكل عام، فإن للأحداث السياسية والاضطرابات والحروب التي تنشب في الدول العربية الآن، أو حركات التحرر من الاستعمار في الماضي؛ أثرها البالغ على المنتج الثقافي والمثقفين والإبداع بكل صوره. ففي أعقاب ثورة يناير 2011 في مصر تلاشى دور الدولة تدريجياً في صناعة الحدث الثقافي، بينما تجلى نشاط فاعلين ومثقفين في الفضاء الاجتماعي المصري، وظهرت جماعات ثقافية تسعى لتثقيف الطبقات المهمشة، نازعة عن الثقافة رداءها النخبوي، لكن سرعان ما تلاشى دور هذه الجماعات مع ثبات أركان الدولة وعودتها لممارسة دورها الثقافي، على عكس ما كان في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، حيث سار الفعل الثقافي المستقل على التوازي مع الفعل الثقافي السلطوي، فكانت تلك الحقبة من أفضل الحقب التي شهدتها الساحة الثقافية المصرية، إذ برز خلالها إنتاج ثقافي لا يزال حتى الآن يحتل الصدارة في قيمته الإبداعية والأدبية. ولا شك أن الإرهاب والتطرف الذي يهدد أجزاء كبيرة من الوطن العربي سيكون له أثره البالغ إيجاباً أو سلباً على الثقافة بكل صورها وتجلياتها.

عن ليث الشمري

شاهد أيضاً

مناعة لازمة لصد التزييف.. الشهداء ليسوا في عداد الموتى

لمى خاطر كلما عادَ جمهور بيئة ما إلى وعيه الفطري، وإلى إيمانه النقي بالأفكار ذات …

اترك تعليقاً